تصريح المهندس نجيب ساويرس الذي وصف فيه دولة الإمارات بأنها الأب الروحي لمصر هو تصريح يفتقر إلى الدقة التاريخية والمنطق الثقافي، فمحاولة إسقاط مفهوم الأبوة الروحية على علاقة دولة حديثة النشأة بدولة تضرب جذورها في عمق التاريخ البشري هى قراءة مغلوطة للواقع، وتتطلب تفنيداً هادئاً وموضوعياً يستند إلى الحقائق الحضارية والجغرافية والتاريخية والثقافية والفنية.
ساويرس هنا يتحدث معبراً عن نموذجه الشخصى وهو نموذج رجل الأعمال الرأسمالى العولمى البراجماتى الذى يبحث عن الملاذات الآمنة للإستثمار دون اعتبار لرمزية الوطن، على عكس الرواد التاريخيين مثل طلعت حرب الذي ربط الاقتصاد بالكرامة والاستقلال، مما يكشف انفصال النخبة الاقتصادية الحالية عن وجدان الأمة وضميرها وهويتها . والعودة إلى إرث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الإمارات تبطل هذا التصريح ، فقد كان يرى في مصر قلب العروبة النابض ويوصي بها عرفاناً بمكانتها وفضلها التعليمي والثقافي ، مما يعني أن تصريح ساويرس يسيء إلى الفلسفة التي قامت عليها العلاقات بين الدولتين ويحولها إلى تبعية مالية قبيحة ومهينة لمصر، دون وعى بالخط الفاصل بين قوة الوجدان والتاريخ وقوة المادة العابرة.
الغريب أنه بدلاً من أن يشكل الثراء الفاحش لملياردير مثل ساويرس حصانة له تمنعه من الانزلاق في وحل المداهنة، نجد أن شهوة جمع المال ومراكمة الثروات لا تتوقف عند حد، بل تصبح محركاً يدفع صاحبه لتقديم تنازلات تمس كرامة وطنه وسمعته التاريخية. إن المال في هذه الحالة لا يورث الحكمة أو الاعتزاز بالهوية، بل يحول الوطن في عين الرأسمالي إلى مجرد سوق أو بطاقة هوية يمكن التضحية برمزيتها ومكانتها الأدبية في سبيل كسب حظوة مالية أو تأمين مصلحة تجارية عابرة.
من الناحية الحضارية والتاريخية، لا يستقيم وصف الإمارت بالأب الروحى لمصر بأي شكل من الأشكال. فمصر ليست مجرد دولة عادية، بل هي فجر الضمير الإنساني ومهد الحضارات التي علّمت البشرية الكتابة والتدوين والبناء والعلوم الطبية والفلكية منذ آلاف السنين. وتشهد الأهرامات والمعابد على عظمة التنظيم الإداري والسياسي لمصر القديمة، فى وقت لم يكن للإمارات والكيانات السياسية الحديثة بشكلها الحالي وجود.
أما عند تحليل الدوافع التي تقف وراء تصريح ملياردير بحجم نجيب ساويرس، فإن الأمر يتجاوز زلة اللسان العفوية إلى حسابات البراجماتية والمنفعة المالية المجردة. ساويرس، كرجل أعمال يمتلك استثمارات ضخمة عابرة للحدود، ويرى العالم من خلال عدسة الفرص الاستثمارية وعوائد الأرباح، ودولة الإمارات تمثل اليوم المصب الرئيسي لرؤوس الأموال ومقراً حيوياً لتسهيل الأعمال وتأمين الثروات. هذا التصريح، في جوهره، يمثل نوعاً من المجاملة السياسية والاقتصادية المفرطة الموجهة لصناع القرار في (أبوظبي ودبي)، لضمان تدفق التسهيلات، وحماية الاستثمارات القائمة، أو ربما فتح أبواب لصفقات جديدة في بيئة اقتصادية تعتمد بشكل كبير على العلاقات الشخصية والرضا السياسي.
دولة الإمارات يا سيد ساويرس، تأسست في عام 1971، فالمقارنة غير منطقية، لأن مصر بآلاف السنين من الاستمرارية الحضارية والدولية لا يمكن أن تتبع أبوة روحية لكيان سياسي وُلد في النصف الثاني من القرن العشرين.إن مقارنة الوزن التاريخي لمصر بالوزن المالي للإمارات تكشف بوضوح خطأك، فالأمم الكبرى لا تُقاس بقيمة أصولها السيادية أو ناطحات سحابها، بل بتأثيرها في الوجدان الإنساني وتراكمها المعرفي. ومحاولة ساويرس لإضفاء الأبوة الروحية على جهة مانحة أو مستثمرة هي إهانة بالغة لتاريخ مصر، تعكس كيف يمكن لبريق المادة وعقلية الصفقات أن تعمي بصر رجل الأعمال عن رؤية الفارق الشاسع بين قيمة الوطن العابرة للزمن، وبين سعر الصفقة المؤقتة في سوق المال.
المال رغم أهميته القصوى كأداة للتمويل والتنمية، يظل عاجزاً تماماً عن شراء التراكم الحضاري أو صناعة القيمة التاريخية للدول. القيمة الحقيقية للأمم لا تُقاس بالأرصدة البنكية، بل بالبصمة الوراثية التي تتركها في مسيرة البشرية، وهو ما تملكه مصر بوفرة وتفتقر إليه لغة الحسابات الضيقة.
مصر تمثل الاستمرارية التاريخية الأكثر ثباتاً في العالم. الحضارة ليست مجرد مبانٍ شاهقة تُرفع في سنوات معدودة، بل هي تفاعل إنساني ممتد لآلاف السنين أنتج أول حكومة مركزية، وأول نظام قانوني، وأول خط دفاع عن المنطقة في مواجهة الغزوات التاريخية الكبرى. وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تصيغ مفاهيم الإدارة والسياسة والدين، كانت جغرافيا الخليج العربي تعيش نمطاً حياتياً بسيطاً. ولا يمكن للمال، مهما تضخم، أن يسد فجوة زمنية وحضارية قوامها سبعة آلاف عام، فالأبوة الروحية والتاريخية تُكتسب بالقدم والأثر والتراكم، ولا تُمنح كامتياز استثماري.
يأتي في مقدمة كل ذلك بُعد الأمن القومي والدور العسكري التاريخي، فالمكانة لا تُحمى بالمال بل بالدم، والجيش المصري كان تاريخياً الدرع الذي كسر التمدد التتاري والصليبي وحمى الهوية العربية من الفناء قبل قرون من نشأة الدول الحديثة، كما أن دماء الشهداء المصريين في العصر الحديث هي التي أمنت الاستقرار للمنطقة لتزدهر اقتصادياً، ومن غير المنطقي جعل الطرف المتلقي للحماية أباً روحياً لمن يقدمها. هذا الفارق الهائل في الحجم البشري والحضارى يجعل مصر هي المركز والعمود الفقري للمنطقة، والمال هنا لا يمكنه تعويض كل ذلك.
وعلى الصعيد الثقافي والدينى والمعرفى تتميز مصر بأنها مدرسة صاغت وجدان العالم الإسلامي بأكمله على مر العصور، حيث يمثل علماء الأزهر فيها نموذجاً فريداً يجمع بين الأصالة المعرفية والعذوبة الروحية ، فالعلماء كانوا قادة رأي ومصلحين اجتماعيين شاركوا في صياغة الهوية الوطنية والدفاع عن قضايا الأمة، كما شكل قراء القرآن الكريم في مصر ظاهرة متفردة عُرفت بدولة التلاوة المصرية التي تربعت على عرش القلوب في مشارق الأرض ومغاربها. والقراء الكبار الحصرى وعبد الباسط ومصطفى إسماعيل ومحمد رفعت والمنشاوى وغيرهم خير شاهد على ذلك، كما تمثل الكنيسة المصرية الأب الروحى لملايين المسيحيين حول العالم .
وعلى المستوى الأدبى والفني، فإن مصر هي المصدر الأول والأساسي للوجدان العربي المعاصر. لقد تشكل العقل العربي الحديث على كتابات طه حسين، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وتغذت الذائقة السمعية والبصرية للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج على صوت أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وأفلام السينما المصرية ومسرحياتها، ومدارسها التعليمية التي تخرج منها أجيال من الأشقاء العرب، بما في ذلك أبناء دولة الإمارات أنفسهم في بدايات نهضتهم التعليمية. الثقافة المصرية ليست مجرد منتج محلي، بل هي الهوية الروحية والثقافية التي استندت عليها المنطقة بأسرها، ومن الصعب تصور انعكاس هذه الآية ليصبح المتأثر أباً روحياً للمؤثر.
وعلى الصعيد الثقافي والفني، فالثقافة لا تُستورد ولا تُشترى بالصفقات، بل تنبع من حراك مجتمعي أصيل وتراكم إبداعي مستمر. لقد كانت مصر، ولا تزال، الوجدان المشترك للعرب، فالمناهج التعليمية التي تأسست عليها دول الخليج ومنها الإمارات وضعها أساتذة مصريون، والقوانين والدساتير صاغتها عقول قانونية مصرية كبرى. الموسيقى، والسينما، والمسرح، والأدب، والصحافة، كلها روافد مصرية شكلت عقل المواطن العربي من المحيط إلى الخليج. إن امتلاك القدرة المالية على رعاية المهرجانات أو شراء الأصول الثقافية لا يعني أبداً امتلاك القدرة على توليد الثقافة ، فمصر هي المصنع والمصدر الأصيل، بينما يظل الآخرون مستهلكين أو مستضيفين لهذا الإبداع.
بناءً على ذلك، يصبح القول بأن الإمارات هي الأب الروحي لمصر هو مغالطة لجميع الحقائق والسنن الكونية. الدعم المالي والاستثماري الإماراتي في السنوات الأخيرة هو محل تقدير في إطار المصالح المتبادلة والأخوة العربية، لكنه لا يمنح مشروعية تاريخية أو روحية. الفلوس قد تصنع ناطحات سحاب، وتشتري أحدث التكنولوجيات، وتوفر جودة حياة مرتفعة، لكنها تعجز تماماً عن صناعة نسيج مجتمعي متجذر أو فكر فلسفي أصيل، أو وعي جمعي يقود أمة. تظل مصر هي الأصل والحجم والتاريخ، ويظل دورها الحضاري عصياً على التبعية أو الاختزال في حسابات الربح والخسارة.
تظل لمصر بحكم التاريخ، والحضارة، والفن، والثقافة التي شكلت هوية المنطقة بأسرها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض