أشرف الخمايسى.. الروائى المغاير: أنا«سوبرمان» مبدع
الإيمان المطلق مستحيل والعلاقة بالأم معقدة
المثقفون ﻳﻘﺼﻮن ﻣَﻦ ﻳﺨﺎﻟﻔﻬﻢ
الموت ﻓﻘﺪ اﻟﻘﺪرة ﻋلى إدﻫﺎﺷﻨﺎ..
ليس من السهل أن تحاور أشرف الخمايسى ثم تخرج منه بالانطباعات نفسها التى دخلت بها، تصورت أنه سوف يحاول رفع بعض ما نسب إليه!!، لكنه ظل يفضل السيرعكس الاتجاه، لا فى الكتابة وحدها، بل فى النظر إلى العالم والناس والوسط الثقافى نفسه. وبين حديثه عن الموت والإيمان والحرية والمرأة والكتابة، بدا متمسكًا بحقه فى الاختلاف، وبإيمانه بأن المبدع لا يُقاس فقط بما يكتب، بل أيضًا بما يجرؤ على قوله. فى هذا الحوار كان الخمايسى صريحًا إلى الحد الذى قد يراه البعض صادمًا، بينما يراه آخرون مجرد صدق لا يعرف المواربة.
● صرحت يومًا: «أنا رب السرد إذا قرأته وإلهه إذا كتبته». هل ما زلت على هذه القناعة حتى هذه اللحظة؟
●● طبعًا. غير أنى لم أعد متحمسًا لا للقراءة ولا للكتابة، ولأسباب، منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص؛ الأوضاع حولنا ليست على ما يرام، الوعى الشعبى المصرى ملغز، لا نفهم إذا كان زاد نضوجًا أم قل! صرنا نتكلم فى كل شيء على فيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعى كلامًا جيدًا، ولا نتبادل النقاش بنفس الجودة، استقطاب مزعج، فيضان تريندات، ولك تريند له طرفان، كل منهما يزعم امتلاك الرؤية الصائبة، ولا مرجعية لأى منهما، ماشى، ممكن نتفهم أن كلا منا له قناعاته، المشين هو الصراع حتى السفالة والانحطاط وقلة الأدب، لم يعد التطرف دينيًا فقط، لقد تطرفنا فى كل شيء، حتى بمشاعرنا تجاه الكلاب! من يتخيل أن مصر طه حسين والمنفلوطى والعقاد ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وزكى نجيب محمود وصلاح جاهين وفؤاد حداد لا تتفق على بدهية أن الكلاب الضالة فى الشوارع مظهر غير لائق وغير حضارى بالمرة! إذا كان هؤلاء العباقرة العظماء كتبوا مئات الكتب والأشعار فلم تثمر كتاباتهم شعبًا واعيًا، بل ها هو أمام أعيننا الشعب يعانى مزيدًا من اللخبطة، مزيدًا من انهيار القيم، مزيدًا من الخضوع للاستبداد، مزيدًا من ضياع الأخلاق، مزيدًا من القوانين التى تهدم ولا تبنى، فهل ستثمر كتاباتنا نحن؟! أشك. ثم جاء موت أبى لأشعر بأن الجذر الذى كان يربطنى بأرض هذه الدنيا انقطع، وأنى أتجه إلى الموت بالقصور الذاتى، الدنيا الوقت خلف ظهرى، استدبرتها. الخلاصة. لم يعد لدى شغف بربوبية القراءة، ولا ألوهية الإبداع، لكن إذا قدر الله لى استعادة الشغف فأنا هو أنا، رب السرد إذا قرأته، وإلهه إذا كتبته.
● هناك من يرى تصريحاتك حادة وصادمة، وتقصد إثارة الجدل. بماذا ترد على ذلك؟
●● أرد على ذلك وأقول لو أطلق كل إنسان فى العالم لنفسه العنان وتكلم بصدق وصراحة، لم يتحر المجاملة واللطف والتزويق والتزوير، سيكون حادًا وصادمًا. لا أعتبر نفسى حادًا وصادمًا، كل ما هنالك أنى شخص طبيعى عفوى، لم يزل بعضى متعلقًا بطبيعة إنسان الغابة الأصيل، صريح وواضح شويتين دون تحسب لما قد أخسره بسبب صراحتى ووضوحى، لأن الخسارة فى هذه الحالة مكسب، أنا أحاول جاهدًا الارتقاء إلى مرتبة الصدق، الصدق أهم أدوات الفعل الإبداعى، الكتابة لا تتميز أو تفارق السائد إن لم تستق مادتها من قلب كاتب عفوى نافر يركل الدنيا بقدمه. فإذا كانت هذه طبيعتى فإنه لا يصح أبدًا القول بأنى أقصد إثارة الجدل، من يقصد إثارة الجدل هو الخامل المنطفئ، يحاول لفت الانتباه إلى أنه موجود، أنا أعانى العكس: حضورى الطاغى درجة أن لو عطست تداولوا عطستى فى مقاهى وسط البلد وفى المحافظات والصالونات الأدبية، وناقشوها تأويلًا وتساؤلًا، هو الخمايسى عطس ليه؟ ويقصد إيه؟ فهأقصد إثارة الجدل ليه إذا كان محيط بى فعلًا!
● ما الثمن الذى تدفعه نتيجة صدامك الدائم مع الوسط الثقافي؟
●● ثمن باهظ جدًا، منه المحاولات الدؤوبة لتشويه صورتى، مثلًا هناك من يصر على تسويقى باعتبارى كاتبًا إخوانيًا، رغم انتفاء أى علاقة لى بالإخوان من قريب أو بعيد، سجلات أسماء أعضاء الإخوان اسمى ليس فيها. أيضًا هناك من يصر على تصويرى عدوًا للمرأة، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، لو قرأ هؤلاء إبداعى، الذى يجب أن يكون المصدر الأول لتوصيفى، لعرفوا استحالة أن يكتب المنتمى للإخوان إبداعه بهذا القدر الساحق من التحرر، رواياتى لا تلقى بالًا للتابوهات بما فيها التابوه الدينى، كما أن المرأة شخصية فعالة جدًا فى كل رواياتى، ولها تأثيرها الطاغى على الأحداث. النتيجة الإجمالية لصدامى مع الواقع الثقافى هى نجاحى فى نزع القناع عن وجهه القبيح، لنكتشف أن المثقفين أكثر الفئات إقصاء لمن يخالفهم، أشد الناس عداوة للحرية، يتغنون بالقيم والحريات فى ذات الوقت هم عبيد مصالحهم. سأستمر فى مواجهتهم مهما كانت الخسائر، فى النهاية أنا الرابح الأكبر، فالمبدع ليس مجموعة كتب وفقط، المبدع مجموعة كتب تدعمها مجموعة مواقف صادقة نابعة من إخلاص حقيقى لما يكتبه ويبدعه.
● إذا أزلنا صفة «الروائي» من هويتك، ماذا يبقى من أشرف الخمايسي؟
●● إذا أزلنا من الشجرة غصنًا ماذا يبقى من الشجرة؟ تبقى الشجرة كلها إلا غصنًا. إذا أزلنا الروائى من هوية أشرف الخمايسى يبقى أشرف الخمايسى كله إلا روائى، سأبقى أنا، الإنسان المختلف سواء كنت روائيًا أو غير ذلك، إذا قدر لإنسان ما التعرف على حياتى سيدرك أنى أصل رواياتى، رواياتى تستقى من نبعى ما يجعلها عظيمة، لا أستقى أنا منها فأنتهى إذا زالت عنى روائيتى.
● كثيرون يرون أن الكاتب يجب أن يتبنى موقفًا سياسيًا أو فكريًا واضحًا، ماذا ترى أنت؟
●● كثيرون يرون أن الكاتب يجب أن يتبنى موقفًا سياسيًا أو فكريًا واضحًا، قليلون يفعلون ذلك؛ أنا من هذا القليل الذى يفعل ذلك، أتبنى موقفًا سياسيًا معارضًا، وموقفى الفكرى مرتبط بهوية مصريتى وعروبتى. وكنت قرأت كتابًا لأدوارد سعيد عن المثقف، فكان رأيه أن المثقف لا يكون مثقفًا على الحقيقة لو لم يشتبك مع قضايا هويته، وأن يكون واضحًا فى اشتباكاته، وغير مهادن. هذه رؤية أتفق معها تمامًا.
● هناك من يقرأ أعمالك باعتبارها بحثًا عن الإيمان، وآخرون يرونها مساءلة له. أين تقف أنت بين هذين القراءتين؟
●● أعمالى تنقسم بين رواية وقصة قصيرة وكتابة لليافعة وتنقيح بعض أمهات كتبنا العربية القديمة، ليس فيها ما يصلح لأن يكون كتابًا إيمانيًا وعظيًا، لكن فيها بكل تأكيد إشارات إيمانية لن يستطيع الوقوع عليها سوى القارئ اللبيب، أدسها فى كتبى دسًا إبداعيًا يشق على القارئ العابر كشفه. أما أن يرى البعض كتبى مساءلة للإيمان فهى ليست كذلك أيضًا، لأنى كاتب مؤمن، تجاوزت مرحلة الشك والحيرة، لكن هذا لا يمنع من أننى متعاطف دائمًا مع الملحدين واللادينيين المخلصين فى بحثهم، هذا التعاطف موجود فى رواياتى، لأن هذه الأسئلة أجهدتنى كثيرًا وطويلًا فى شبابى وبعض كهولتى، وربما لم يزل لها صدى يتردد بين ثنايا وجدانى. الإيمان المطلق مستحيل.
● فى بعض كتاباتك يظهر جانب روحى أو صوفى. هل هذا انعكاس لتجربة شخصية أم أنها زاويتك الخاصة فى الكتابة؟
●● كانت لى تجربة صوفية فى مراهقتى، تجربة جادة مع طريقة اسمها البرهانية، وكان أحد مشايخى يطلعنى على قصائد عمودية يزعمون أن القطب الراحل كتبها من موقعه فى الآخرة وأرسلها إلى أتباعه فى الأرض، فنعكف على قراءتها ودراستها، قصائد مكينة صعبة. ثم أنا ولدت فى الأقصر، وفى كل منتصف شعبان من كل عام هجرى كان أبى يصطحبنا إلى ساحات مولد سيدى أبى الحجاج الأقصرى، وهناك رأيت البدائع والروائع، كان أبى محبًا لآل البيت والأولياء وإن لم يكن صوفيًا منتميًا لطريقة بعينها، جميع ذلك ترك أثره قطعًا فى تكوينى.
● ارتباطك بالصعيد يظهر فى أعمالك. فماذا يمثل لك الصعيد؟
●● الصعيد هو جنوب مصر، وقد وضع الله سرًا ما فى كل جنوب من أى قطر! اسر متعلقًا بالخيال والإبداع، ليس فى الكتابة فقط، بل فى جميع مناحى الحياة. الجنوب دائمًا مدهش ومختلف، والصعيد عندى ليس الرقعة الجغرافية بين الجيزة شمالًا وأسوان جنوبا، بل هو نجع الخمايسة التابع لقرية نزلة على مركز جهينة محافظة سوهاج. نجع صغير لكنه احتوى ما بين الجيزة وأسوان. بالنسبة لى لو لم أعش قسمًا كافيًا من طفولتى فى هذا النجع لكنت افتقدت كثيرًا من أدوات إبداعى. كانت مدينة الأقصر المحبس الذى أعيش فيه مع أسرتى، قضيت فيها طفولة صعبة جدًا، وكان الإفراج يتمثل سنويًا فى شهور الإجازة المدرسية الصيفية، نقضيها فى نجع الخمايسة. الرحلة من الأقصر إلى سوهاج، الاستعداد لها، المشاق التى نتكبدها فيها، ثم الوصول إلى النجع، والبرطعة أخيرا فى براحه، بيت عمى عبداللاه المعزول فى الحقول بجواره ماكينة الرى الألمانى. صيد الأسماك فى الترع، عالم ثرى سخى صادف روحًا مشتاقة للتفجير الإبداعى. وقد حدث. ولن أنسى مقولة الأستاذ الناقد محمد محمود عبدالرازق فى دراسة نقدية له عن مجموعتى القصصية الأولى «الجبريلية»، منشورة بمجلة الثقافة الجديدة قبل 20 سنة، قال فيها: «على نجع الخمايسة أن يفخر بإنجاب أشرف الخمايسى كما يفخر نجع البيروم بإنجاب يوسف إدريس».
● لدى فضول أن أسأل عن المرأة التى تربى أشرف الخمايسى بين كفيها «الأم»، وما مكانتها لديه؟
●● رأيى أن المشاعر تجاه الأم مفروغ منها، فإما تكون أمًا بفطرتها، فيكون لها الحب كله، وإما ليست كذلك فنحسن إليها طاعة للأمر النبوي: أمك ثم أمك ثم أمك. أنا أحسن لأمى طاعة للأمر النبوى. ربما الأمومة لا تكون حية إلا إذا استقت رواءها من أمومة سابقة، أمى ولدت وعاشت بعيدًا عن أمها طوال فترة طفولها، ثم ماتت الأم، وتربت فى كنف أب طاغ قاس، أب صعيدى ينتمى لنجع «بنى هلال» مركز المراغة، قاس بالفطرة، أضيفت إلى قسوته الفطرية قسوته المكتسبة بالعمل فى شرطة هيئة السكك الحديدة. أبى كان زميلا له مع فارق السن، لكن مثله تماما فى الطبع القاسى، فانتقلت أمى من قسوة الأب إلى قسوة الزوج، وليس عندها ذخيرة كافية من الأمومة، أنجبتنا فكان أبى يربينا ويربيها معنا، فتمحورت أمومتها فى نظافتنا وأكلنا وشربنا وفقط، لم تستطع يومًا أن تستجمع أمومتها وتتصدى لقسوة أبينا تجاهنا، هذا خطأ، لكن ربما لم يكن لها سبيل آخر سوى الخضوع، هى بدورها أشربت القسوة، فإذا حنت نتفاجأ بحنانها، ونشعر به حنانًا مصطنعًا. فى أوقات أضبط نفسى أحبها لأنها أمى التى عانت معنا كسيرة الجناح. المدهش أنه مع التقدم فى العمر صرنا نحب أبانا أكثر من أمنا، تفهمنا سبب قسوته أولا، ولأنه تعلم كيف يتخلص من هذه القسوة، بل وأصبح يستطيع التعبير عن حبه لنا، فيما ظلت أمى عاجزة عن ذلك، وزاد الطين بلة أنها صارت تغضب كلما رأتنا نبادل أبانا حبًا بحب. العلاقة مع الأم علاقة معقدة.
● ما الذى يُنشّئ الخمايسى عليه ابنته؛ التمرد المحسوب أم الاستسلام بامتداداته؟
●● ليس لى بنات، لكن رزقنى الله مؤخرًا بحفيدة عمرها الآن سنة والنصف تقريبًا، خديجة، هى قلبى وروحى بدون مبالغة. أنا كبير أسرتى، ومطاع، فرضت على أبنائى حق مشاركتهم فى تربية أحفادى وحفيداتى، فإن قدر الله لى عمرًا سأربى حفيداتى على الطاعة، لا أقول الاستسلام، الاستسلام يعنى الخضوع بعد معركة خاسرة، الطاعة شيء آخر تمامًا، إنها السكينة طواعية، البنات لا يجمل بهن التمرد، ثلاثة أرباع جمال المرأة فى طاعتها، وثلاثة أرباع قبحها فى تمردها. ليس من هدف عند المرأة السوية أسمى من حياة زوجية سعيدة، لو أنها رئيسة وزراء وليست زوجة سعيدة فإنها تضع رأسها ليلًا على وسادتها تتجرع المرارة، ولو أنها فلاحة بسيطة وزوجة سعيدة فإنها تنام ملء جفنيها يكتنفها الأنس والمحبة. أريد لحفيدتى أن تنام ملء جفنيها مكتنفة بأنس زوجها ومحبته. لذلك لن يكون فى قاموس تربيتها مصطلح التمرد المحسوب أو غير المحسوب، ستنشأ على أن زوجها وبيتها وأبناءها هم سعادتها، لا أى شيء آخر.
● هل ترى أنه فى حياة كل عظيم امرأة؟ وإن كان كذلك؛ فكيف ترى رفيقة دربك «زوجتك»؟
●● فى حياة كل رجل عظيم امرأة، وكذلك فى حياة كل رجل تافه. إن كانت المرأة عظيمة ستسهم بقوة فى بناء عظمة رجلها، والعكس صحيح، لكن يحدث أن يكون الرجل عظيمًا بسبب امرأة بليدة، لو لم تخنى الذاكرة فإن زوجة أرسطو كانت بليدة، وإذا قرر الرجل مساندة زوجته إذا كانت عاملة أو موظفة فستكون عظيمة. مؤكد أن الرجل يؤثر فى المرأة، والمرأة تؤثر فى الرجل، إيجابًا وسلبًا. أما عن حنان هانم، زوجتى المصون، فلها دور هائل فى كونى مبدعًا، هى أصدق قصة حب، بدأت قبل زواجنا بست سنوات، وها هى مستمرة لأكثر من ثلاثة عقود. مروقة بالى ومفرغة ذهنى من أى مشاكل، فيتاح لى الوقت والجو المناسبان للإبداع. إنها هبة الله لى دون أدنى مجاملة.
● فى عالمك الروائى، الموت ليس النهاية، لكنه السؤال؛ هل تغيرت علاقتك الشخصية بفكرة الموت عبر الكتابة، أم هى كذلك منذ بداية تكوينك؟
●● الموت يظل العائق الوحيد أمام الإنسان السوبر مان إزاء شعوره بالقوة الفائقة والكمال، لكن من يدرى، ربما هو الطاقة التى تفتح لينطلق منها الإنسان إلى عالم مواز أقوى واكمل، فى تصورى النابع من شعور السوبر مان أن هذا الموت سيتم إقصاؤه عن عالم البشر بمعامل البحث، الإنسان مخلوق متحد بطبعه، ومغرم بالألوهية، أقصد أنه راغب فى الخلود، قصة آدم فى القرآن الكريم تقول إن أول ذنب وقع فيه آدم سببه سعيه للخلود، جاء إبراهيم وأحب أن يرى كيف يحيى الله الموتى، وكأنه أحب أن يتعلم صنعة الإحياء سعيًا للخلود. جاء المسيح وأحيا الموتى. وهناك الخضر إلى ذهب إلى نبع الحياة وغطس فيه وهو حى إلى الآن بحسب المأثور. كل ذلك يعنى أن الإنسان لن يكل أو يمل قبل الوصول إلى سر شفرة الإحياء ومن ثم الخلود. حتى يحدث ذلك يظل الموت سؤالًا كبيرًا، فى ذات الوقت يظل واقعًا عاديًا جدًا حتى أنه فقد القدرة على إدهاشنا.
● أنت معروف بأنك تفضل حرية الكاتب. إلى أى حد مسموح لهذه الحرية بالخطو من وجهة نظرك؟
●● لا حد.. إن كان ممكنًا التحليق لأعلى فلنحلق، وأتقبل جميع ما يمكن أن يسطره الكاتب، مهما هاجم أو حطم من الثوابت المهابة أو المقدسة، فهذا هو الدور المنوط بالكتابة الأدبية خصوصًا، فقط لى شرط وحيد، أن يفعل ذلك بإبداع خلاق فعلا، مايضربش فى الثوابت، خصوصًا الثابت العقائدى، بعبط وهبل لمجرد الشهرة وجذب الأنظار إليه. لا أظن أن مبدعًا فى بلادنا لا يحلم بأن تكون حريته فى الكتابة والإبداع مطلقة. أنا مع هذا الحلم، لكن كما قلت: على الشرط الإبداعى.
● يقال إنك لا تهتم بالعلاقات مع الوسط الثقافى أو «المجاملات». من هم أصدقاء أشرف الخمايسى من الوسط الأدبى؟
●● الصداقة فعل ممارسة الصدق بين اثنين، صدق المشاعر، قالوا قديما «صديقك من يصدقك»؛ لا أحد ينكر أن الصداقة إحدى أهم العلاقات الإنسانية، بل أزيد فأقول إنها علاقة مقدسة بين أفراد الجنس الواحد تضاهى علاقة الزواج المقدسة بين الجنسين، إنها تفاعل يومى، ومكالمات على مدار الساعة، وشعور بالنقص إذا غاب الصديق، والكآبة إذا هجر الصديق، والدنيا تحلو بعودته، حاجة كده زى اللى بين حبيبين، بهذا المعنى وبهذه المشاعر أعتبر نفسى لم أزل «أعزب»، لم أصادق. أما عن صداقات الوسط الأدبى فهى لعنة على الكتابة والإبداع، إذا صادق الناقد الأكاديمى دكتور معيط الكاتب المعفن نطاط الحيط كتب عنه بمفعول الصداقة ما قد لم ولن يكتبه فى نجيب محفوظ. وإذا تصادق كاتبان معفنان وتبادلا الحوار ـ ولنا فى فيسبوك دليل ـ فإنها يتبادلانه على أساس أن كلًا منهما كاتب كبير وعظيم، الصداقة لها أثر عظيم فى تحكيم الجوائز، حتى قد لا يكون المحكم صديقًا للمتسابق نفسه، لكنه صديق صديق المتسابق، فيذكيه صديق المحكم للمحكم، فيمنحه المحكم أعلى درجة على حساب متسابق آخر أحق، أين ممارسة الصدق بين الأصدقاء هنا؟! ما نجده هو ممارسة الزور. الصداقة فى الوسط الأدبى فعل مقزز، إنها ليست زواجًا مقدسًا نافعًا، بل لواط، إذ يلتقى أشباه الأدباء، تجمعهم شبه صداقة، على غايات تشبه الغايات النبيلة، يمارسون كتابة تشبه الكتابة، النتيجة كما نرى الآن: وسط مزدحم بآلاف أشباه الكتاب والكاتبات، عشرات أشباه النقاد، يصعد إلى سماء الشهرة أشباه نجوم.. وسط مزور مش حقيقى/ ما يترتب عليه إصابة قوة مصر الناعمة بالهزال والجفاف.
● هل تكتب وأنت تعرف النهاية من البداية، أم تكتشفها أثناء الكتابة؟
●● لا أكتب قبل أن يتكامل فى ذهنى هذا الثلاثي: الموضوع، بداية الموضوع، نهاية الموضوع. لكن تظل النهاية مبدأية، لازمة فقط للانطلاق، محددة للاتجاه، ثم تختلف النهاية بالضرورة، لأن المبدع يبدأ كتابة روايته سيدا وحيدا مكتمل السيادة، لكن بعد وقت، بعد مزيد من التغول بالوقائع والأحداث، رويدًا رويدًا تستشعر الشخصيات الروائية وجودها، وأن لها طغيانها الخاص، فتأخذ فى منازعة المبدع سيادته، ليكون لها هى السيادة دونه، وليتحول من فاعل سيد يبتدع شخصياته إلى فاعل خادم يدون ما تفرضه عليه شخصياته، ثم بالضرورة تفرض هذه الشخصيات النهاية التى تناسبها، فإذا بها نهاية مختلفة تمام الاختلاف عن النهاية المبدئية. النهاية الأقوى إبداعيًا هى التى تضعها الشخصيات الروائية، لا التى يضعها المبدع.
● يُقال إن الكاتب الحقيقى يهرب من صورته العامة داخل نصوصه. هل شعرت يومًا أنك تكتب لتتخفف من نفسك لا لتعبر عنها؟
●● للمبدع فى ذهنى صورة مميزة. هو الإنسان الأقرب للسوبر مان، يمكن أن يعانى أوقات ضعف وانكسار، مع ذلك يظل السوبر مان، الإنسان الأقوى، لديه الحلول، لا يخضع لواقع، بل يُخضِع الواقع فى حدود قدراته الإنسانية الفائقة. أنا سوبر مان مبدع، معجب بصورتى العامة، ومؤمن بها جدا، فلماذا أهرب منها!؟ بالعكس، أنا أصدرها للقراء والمتابعين باعتبارها الصورة النموذج لما يجب أن يكون عليه الإنسان الواضح الصريح. كما لا أكتب لأعبر عن نفسى، لو الكتابة تعبير عن النفس فليكتب كل منا لنفسه وفقط، يفضفض وينتهى الأمر، الفضفضة سلوك الضعفاء. الكتابة لا هى هروب، ولا هى فضفضة، ولا هى تسلية، ولا هى فعل جبرى نفعله لأننا لا نجيد أداء غيره. الكتابة سيف وفأس وقلم، مقاومة وإنبات وبناء وعى، هذه أعمال قوة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض