رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هل الأم ملزمة بإرضاع طفلها الصغير؟

بوابة الوفد الإلكترونية

من المقرر شرعًا أنه ينبغي على الأم إرضاع ولدها حال قيام الزوجية ما لم يمنعها عن ذلك سببٌ معتبرٌ عرفًا وشرعًا؛ مِن نحو مرضٍ، أو انعدامِ لبنٍ، ونحوهما من الأسباب المعتبرة، ولا تستحق الأجرة على ذلك شرعًا؛ لأن امتناعها عن إرضاع الصغير حال قيام الزوجية يؤدي إلى النفرة بين الزوجين؛ ممَّا يكون سببًا في تفويت مصالح هذا النكاح، ولأن عرف المسلمين جرى على عدم طلب الأمهات الأجرة على إرضاع أولادهن.


الحياة الزوجية مبناها على السكن والرحمة والمودة

والحياة الزوجية مبناها على السكن والرحمة والمودة ومراعاة مشاعر كلٍّ مِن الطرفين للآخر أكثر مِن بنائها على طلب الحقوق؛ وفِقهُ الواقع والخلق الكريم الذي علمنا إياه سيدُنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقتضي أن تتقي الزوجةُ اللهَ تعالى في زوجها، وأن تَعْلَمَ أنَّ حُسنَ عشرتها له وصَبْرَها على أعباء الحياة معه بابٌ مِن أبواب دخولها الجنة، وعلى الزوج أيضًا أن يراعي جهد زوجته، وما تقوم به من خدمةٍ طوال اليوم للبيت والأولاد، وأن يكون بها رحيمًا، وألَّا يُحَمِّلَهَا ما لا تطيق، فبهذه المشاعر الصادقة المتبادَلَةِ يستطيع الزوجان أداءَ واجبهما والقيامَ بمراد الله تعالى منهما، وسَحْبُ ما محله التداعي أمام القضاء إلى الحياة الطبيعية غير سديدٍ؛ قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269].

فالأحكام الشرعية المتعلقة بالحياة بين الزوجين لا تُؤخَذ بطريقةٍ يبحث فيها كلٌّ مِن الزوجين عن النصوص الشرعية التي تبيِّن حدود حقوقه وواجباته أو تجعله دائمًا على صوابٍ والطرفَ الآخر على خطأٍ؛ بحيث تُتَّخَذُ الأحكام الشرعية وسيلةً للمساومة والضغط على الطرف الآخر وجَعْلِهِ مُذعِنًا لرغباته مِن غير أداء الواجبات التي عليه في جانبه.

آراء الفقهاء في مدى إلزام الأم بإرضاع ولدها

ومِن ذلك: مسألة إرضاع الأم وليدها، والتي قد يتم الخلط فيها بين حكم هذا الإرضاع واستحقاق الأجرة عليه، وكذلك الخلط بين حال قيام الزوجية وحال الفرقة بين الزوجين، ممَّا قد يترتب عليه أن يصبح الأمرُ أشبه بالمساومة، وهذا غَلَطٌ بيِّن؛ لأنه قد جرى عُرْفُ المسلمين على توالي الأعصار وفي سائر الأمصار على أنَّ الأمهات في عصمة الأزواج يرضعن أولادهن على جهة الوجوب والإلزام الشرعي ما دام لم يَحُل بينها وبين إرضاعه سببٌ معتبرٌ عرفًا وشرعًا؛ مِن نحو مرضٍ، أو انعدامِ لبنٍ، ونحوهما من الأسباب المعتبرة، مِن غيرِ طلبِ أجرةٍ على ذلك، وقد تقرَّر في قواعد الشرع الشريف أنَّ "المَعْرُوفَ عُرْفًا كَالمَشْرُوطِ شَرْعًا"؛ كما في "الأشباه والنظائر" لزين الدين ابن نجيم (ص: 84، ط. دار الكتب العلمية)، كما أنه لا يليق بقدسيَّة الزَّواج ومكانة الزوجة فيه أن تُعامَل معاملةَ الأجير في أسرتها؛ بأن تُفرَض لها أجرةٌ محددةٌ نظيرَ إرضاعها أولادها ورعايتهم.

فإن قيل: كيف حَلَّ لأم كليم الله موسى عليه السلام أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ۝ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص: 12-13]؟ فالجواب عليه: أنها ما كانت تأخذه على أنه أجرٌ على الرضاع، ولكنه مالٌ طابت به نفوس آل فرعون لها فكانت تأخذه على وجه الاستباحة لا الوجوب؛ كما أفاده الإمام الزمخشري في "الكشاف" (3/ 396-397، ط. دار الكتاب العربي).

وإلى ذلك ذهب أصحاب المذاهب الفقهية المعتبرة؛ من الحنفية، والمالكية، والشافعية في اللبأ -أي: اللبن النازل أول الولادة-، والحنابلة، والظاهرية.

قال كمال الدين ابن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (7/ 457، ط. دار الكتب العلمية): [(قوله: وليس على الأم أن ترضعه) يعني في الحكم إذا امتنعت وإن كانت الزوجية قائمة، وهو مقيد بالقيد الذي سنذكره. (قوله: وهذا الذي ذكرنا بيان الحكم) أي: عدم الجبر: بيانُ الحكم قضاءً، بمعنى أنها إذا امتنعت: لا يجبرها القاضي عليه، وهو واجبٌ عليها ديانة.. ولا يجبرها القاضي عليه إذا امتنعت] اهـ.

وقال العلَّامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 422، ط. دار الفكر): [(قوله: أو ولدها) المتبادر منه كما عرفته؛ أن المراد بالمرضع: الأم؛ لأنه ولدها حقيقةً، والإرضاع واجب عليها ديانةً؛ كما في "الفتح"؛ أي: عند عدم تَعَيُّنها، وإلا وجب قضاءً أيضًا] اهـ.