في زمن كانت فيه الحقيقة أحيانا تضيع بين روايتين، ويقف المظلوم حائرا بين أبواب مغلقة ومحاضر قد لا تنصفه، جاءت السوشيال ميديا لتفتح نافذة جديدة للناس، نافذة لا تعتمد فقط على الكلام، بل على الصورة والصوت واللحظة الحية. ومع تطور تعامل مؤسسات الدولة مع هذا الواقع الجديد، أصبح منشن الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية فى كثير من الأحيان أشبه بإطلاق نداء استغاثة يسمعه الجميع. مثل اشارات مورس، والتى ظهرت في ثلاثنيات واربعنيات القرن التاسع عشر،وقد لعبت شيفرة مورس دورا ضخما في الحروب والملاحة البحرية والاتصالات العسكرية قبل ظهور الهاتف والاتصالات الحديثة، وكانت وقتها أشبه بثورة الإنترنت في عصرها، لأنها جعلت نقل الخبر يتم في دقائق بدل أيام أو أسابيع.
لم تعد مواقع التواصل مجرد مساحة للجدل أو الفضفضة، بل تحولت إلى ساحة تكشف ما كان يختبئ قديما خلف النفوذ أو الخوف أو غياب الدليل. فيديو قصير التقطه هاتف بسيط، أو منشور كتبه شخص يرتجف من الظلم، قد يكون اليوم بداية لإنقاذ حق، أو كشف حقيقة، أو منع كارثة أكبر. والأهم أن استجابة وزارة الداخلية في كثير من الوقائع الأخيرة أعطت للناس شعورا بأن هناك من يرى ويسمع ويتابع، وأن المواطن البسيط لم يعد وحيدا تماما في مواجهة الأذى.
اللافت في الأمر ليس فقط سرعة التحرك، بل ذلك الأثر النفسي الذي تركه وجود هذه النافذة المفتوحة. فحين يشعر الناس أن الشكوى قد تصل مباشرة، وأن الواقعة الموثقة لن تُدفن بسهولة، يتغير ميزان الخوف نفسه. يصبح المعتدي أكثر حذرا، ويشعر المظلوم أن هناك احتمالا للإنصاف دون أن يضطر للانتقام بيده أو الخروج عن القانون. وهنا تظهر قيمة الردع، ليس بالقوة فقط، بل بإحساس المجتمع أن هناك عينا تراقب وعدالة يمكن أن تتحرك.
في الماضي، كان كثيرون يسقطون ضحية لتحريات مضللة أو شهادات زور، وكانت بعض الوقائع تنتهي بقهر صاحب الحق، فيخرج من التجربة فاقدا الثقة في كل شيء، وربما دُفع دفعا إلى رد فعل غاضب أو مخالف للقانون لأنه لم يجد طريقا آخر. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف المحمول نفسه بمثابة شاهد لا ينام، والكاميرا أحيانا أقوى من عشرات الأقوال المتناقضة.
وربما لهذا لم يعد غريبا أن ترى آلاف التعليقات تطالب بعمل “منشن للداخلية” عند وقوع حادثة اعتداء أو ظلم أو تجاوز. فالأمر لم يعد مجرد إشارة لصفحة رسمية، بل أصبح عند كثيرين شعورا بالأمان، وكأن المواطن يحمل في جيبه وسيلة نجاة أخيرة إذا تعثر به الطريق. لقد تحولت الصفحة، في وجدان الناس، إلى ما يشبه “سترة إنقاذ” وسط بحر من الفوضى والقلق والقدرة المحدودة على إثبات الحقيقة.
ولا يمكن إنكار أن هذا التفاعل أعاد قدرا من الطمأنينة للمتابعين أيضا. حين يرون التحرك السريع، أو القبض على متجاوز، أو كشف حقيقة غامضة، تهدأ النفوس ويعود جزء من الثقة في أن القانون ما زال قادرا على حماية الناس إذا وصلت إليه الحقيقة واضحة.
ربما تغير الزمن، لكن حاجة الإنسان للأمان لم تتغير أبدا. فقط تبدلت الأدوات. فأصبح الهاتف حارسا، والكاميرا شاهدا، والمنشور استغاثة، والمنشن أحيانا
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض