"فبهت الذي كفر" .. كيف انتصر سيدنا إبراهيم رغم قلة الأتباع
"فبهت الذي كفر".. أكد الدكتور عطية لاشين، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، أن النصر في ميزان الله تعالى لا يُقاس دائمًا بما يراه الناس من كثرة الأتباع أو سرعة الاستجابة للدعوة، موضحًا أن قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام تقدم نموذجًا عظيمًا لفهم حقيقة فبهت الذي كفر ومعنى النصر الحقيقي الذي يحققه الله لأنبيائه وأوليائه.
وأشار إلى أن الآية الكريمة: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ تحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد الانتصار في حوار أو مناظرة، لتكشف عن سنة إلهية ممتدة عبر التاريخ.
مناظرة عظيمة
وأوضح لاشين أن سيدنا إبراهيم عليه السلام أقام الحجة على الملك الجبار الذي ادعى لنفسه ما ليس له، وحين حاجّه إبراهيم عليه السلام بالحجة والبرهان عجز عن الرد وانقطعت حجته.
وهنا تحقق معنى فبهت الذي كفر؛ أي تحير واندهش وسقطت حججه أمام قوة الحق ووضوح البرهان، فلم يجد جوابًا يواجه به نبي الله إبراهيم عليه السلام.
وأضاف أن كثيرًا من الناس قد يظنون أن انتهاء المناظرة بهذه الصورة كان ينبغي أن يعقبه إيمان الملك وقومه، لكن ما حدث كان مختلفًا.
لماذا لم يؤمن الملك؟
وتساءل لاشين: ماذا لو آمن هذا الملك وآمنت مملكته كلها مع سيدنا إبراهيم؟ ألن يعد ذلك انتصارًا عظيمًا بمقاييس البشر؟
وأوضح أن مقاييس البشر تختلف عن مقاييس الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يعلم ما تصلح به الدعوات وما تتحقق به الغايات الكبرى للدين.
ولذلك لم يؤمن الملك الذي جادل إبراهيم عليه السلام، ولم يؤمن قومه، ولم تتحول المناظرة إلى نصر ظاهري سريع كما قد يتخيل البعض.
قلة الأتباع ليست هزيمة
وأشار إلى أن الواقع آنذاك كان يبدو صعبًا للغاية، إذ لم يؤمن مع سيدنا إبراهيم عليه السلام إلا عدد قليل جدًا، وكان من أبرزهم ابن أخيه سيدنا لوط عليه السلام.
وقد يظن البعض أن هذه النتيجة تعني ضعف تأثير الدعوة أو عدم نجاحها، لكن الحقيقة أن الدعوات الربانية لا تقاس بالنتائج العاجلة وحدها.
وأكد أن معنى فبهت الذي كفر لا يتوقف عند إسكات الخصم وإفحامه، بل يمتد إلى استمرار الحق وبقاء أثره عبر الأجيال مهما بدا الواقع في لحظته الأولى مخالفًا لذلك.
النصر الحقيقي
وأوضح لاشين أن الأيام والسنوات أثبتت أن النصر كان حليف سيدنا إبراهيم عليه السلام، رغم أن ذلك لم يظهر بصورة فورية في حياته.
فاليوم يدين مليارات البشر بدين التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم عليه السلام، كما أن الأنبياء الذين جاءوا بعده كانوا من ذريته المباركة.
وأضاف أن الملايين من المسلمين يقصدون البيت الحرام كل عام استجابة لدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج.
كما يردد المسلمون اسمه بالدعاء والثناء في صلواتهم يوميًا، وهو ما يكشف الامتداد العظيم لأثر دعوته عبر التاريخ.
أين ذهب الظالمون؟
وأشار إلى أن الملك الذي جادل إبراهيم عليه السلام ومن ناصره وأيده لم يبق لهم ذكر حسن بين الناس، بل اندثرت قوتهم وزال ملكهم وانتهى سلطانهم.
أما سيدنا إبراهيم عليه السلام فقد بقي ذكره خالدًا في الأرض، وأصبح إمامًا للموحدين ورمزًا للإيمان والثبات على الحق.
ولذلك فإن قوله تعالى: فبهت الذي كفر لم يكن مجرد وصف لحظة عابرة في مناظرة، بل كان إعلانًا عن مصير الحق والباطل عبر الزمن.
دروس من الآية
وأكد لاشين أن هذه الآية تعلم المؤمن ألا يستعجل النتائج، وألا يقيس نجاح دعوته أو عمله الصالح بالمكاسب السريعة فقط.
فقد يتأخر ظهور الثمار سنوات طويلة، وربما يمتد أثر العمل الصالح إلى أجيال متعاقبة بعد وفاة صاحبه.
كما تعلم المؤمن أن الثبات على الحق وإقامة الحجة والصدق مع الله أهم من حسابات المكاسب والخسائر الظاهرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض