أتوقع أن تدخل مصر في الفترة المقبلة مرحلة ستعيد تشكيل هوية الدولة.فالنزاع الدائر حالياً في الخليج بين واشنطن وطهران، والحرائق المشتعلة على الحدود الجنوبية والغربية، فرضت على الجيش المصري حالة من الاستنفار الدائم الذي يشبه إلى حد بعيد نموذج باكستان حيث أهمية الموقع الجغرافي والتي قد تتحول إلى عبء ثقيل.
فباكستان دولة تمتلك جيشاً قوياً ونفوذاً إقليمياً، لكن موقعها الجغرافي جعلها دائماً ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى مثل أمريكا والصين والهند وأفغانستان، مصر اليوم تشبه هذا النموذج فأنت قوي لأن الجميع يحتاجك لمنع انهيار المنطقة، لكنك ضعيف لأنك لا تملك رفاهية الانعزال. وكما تضرر الاقتصاد الباكستاني بسبب حروب جيرانها، تجد مصر نفسها تدفع نفس الضريبة.
فواقعياً، نحن أمام نهاية عصر دولة الريع، حيث لم يعد الاعتماد على رسوم قناة السويس أوالمساعدات التقليدية كافياً في عالم يفتقد الأمان الملاحي. ويتوقع أن تتخلي الدولة عن دعم المواطنين تحت ضغط الديون والتزامات المؤسسات الدولية ، خصوصاً وأن تلك الديون لم تنفق على مشاريع إنتاجية تساعد على التنمية الاقتصادية وبالتالي على سداد الديون . هذا التحول سيؤدى لاختفاء الطبقة المتوسطة وتلاشى الضمانات الاجتماعية التقليدية.
أما المواطن المصري سيجد نفسه أمام اغتراب داخلي، حيث تنقسم الناس إلى فئتين: فئة مرتبطة بالشبكات الرقمية والأسواق العالمية تعيش في جزر منعزلة من الأمان المالى، وفئة عريضة تكافح يومياً لتدبير الاحتياجات الأساسية. هذا الشرخ الطبقي العنيف سيؤدي إلى انتهاء ما تبقى من الدور الأبوي للدولة ، وهو ما سيغير شكل الولاءات الاجتماعية التقليدية، ويجعل من الهجرة -الرقمية أو الجسدية- المهرب الوحيد لجيل الشبان الذي يرى في واقعه سقفاً منخفض الطموحات.
إن الصورة التي نتوقعها لمصر في القادم من الأيام هي صورة السفينة العالقة في قلب إعصار من الجغرافيا السياسية لا يرحم ، مصر من الصعب أن تنهار، فالعالم لا يحتمل تبعات سقوطها، لكن ثمن هذا البقاء سيكون باهظاً جداً من أعصاب المصريين ورفاهيتهم. مع الوضع في الاعتبار أن خزان الصبر المصري ليس بئراً لا تنضب، بل هو رصيد استراتيجي استهلكت منه الأزمات المتلاحقة الكثير خلال السنوات الأخيرة. وعندما نتساءل : هل سيستطيع الشعب الصبر أطول ستكون الإجابة أن الصبر القادم لن يكون مثل الصبر الماضي، فالمصريون صبروا سابقاً على أمل تحقق الانفراجة وهو ما لم يحدث ، أما الصبر القادم فهو حالة من الزهد الإجباري من أجل تدبير اليوم بيومه. والمشكلة أن الطبقة التي كانت تشكل صمام الأمان وهي الطبقة المتوسطة، بدأت تفقد قدرتها على امتصاص الصدمات بعد أن تآكلت مدخراتها وخسرت أمانها المالي.
المستقبل القريب سيضع الدولة أمام حتمية تقديم عربون ثقة حقيقي ومباشر للمواطن، لأن الصبر المشروط بالنتائج المؤجلة لم يعد مرحباً به. الشعب قد يصبر أطول إذا شعر أنه شريك في مغنم القادم وليس فقط حاملاً لأعباء اليوم، أما الصبر من طرف واحد فليس مقبولاً بأى حال.
ومما يزيد من حدة الأزمات الاقتصادية هو ذلك الضجيج الإعلامي الذي يمارس حالة من التغييب المتعمد للوعي الجمعي، فبينما يغرق الواقع في أرقام الديون وتآكل الطبقات الاجتماعية، ينبري فريق من الإعلاميين الموظفين لممارسة فن "التطبيل" الممنهج، موجهين بوصلة الغضب الشعبي نحو معارك وهمية وخصوم لم يعد لها وجود فاعل أو تأثير حقيقي في الشارع المصري اليوم. هذا الإصرار على استحضار فزَّاعات قديمة ليس إلا محاولة للهروب من معاناة اللحظة الراهنة ، مما يحول دون مواجهة حقيقة المشكلة ويجعل من الخطاب الإعلامي مجرد عائق إضافي يؤخر عملية الإصلاح الجذري ويترك المواطن وحيداً في الأزمات.
أضف إلى ذلك أن تعرض المجتمع المصري لمحاولات مستمرة لتشكيكه في هويته وثوابته ، قد يسبب الاحتقان ويهدد الاستقرار الداخلي، إن الحفاظ على تماسك المجتمع يتعارض مع المساس بالهوية ويتطلب مشاركة شعبية ليحول الضغوط الاجتماعية إلى طاقة إيجابية لا دوافع للغضب.
وتعد الحرية الركيزة الأساسية التي تضمن بقاء الدولة ككيان حي ومتجدد، الحرية ليست رفاهية بل هي صمام الأمان الذي يحمي الجسد الوطني من التآكل الداخلي والجمود والسقوط. فالدول التي تفتح آفاق الحرية تكتسب القدرة على التصحيح الذاتي، لأن النقد البناء وحرية تداول الأفكار تسمح برصد الأخطاء في مهدها قبل أن تتحول إلى أزمات تهدد الاستقرار.
كذلك ، فالشفافية ومحاربة الفساد هما الرئتان اللتان يتنفس منهما أي كيان يسعى للبقاء والازدهار، وبدونهما يتحول جسد الدولة إلى بيئة خصبة لنمو المصالح الضيقة التي تلتهم حقوق الأغلبية لصالح الأقلية.والشفافية هي حق المواطن في المعرفة ، فعندما تضع الدولة الحقائق والأرقام والسياسات أمام الشعب ، فإنها تقطع الطريق على الشائعات وحروب الوعي التي تستهدف زعزعة الجبهة الداخلية، وتخلق نوعاً من الرقابة الشعبية الواعية التي تساند جهود الإصلاح وتتفهم حجم التحديات ، بينما تضمن محاربة الفساد ووصول موارد الدولة إلى مستحقيها، فالفساد يهدم قيم العدالة ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص، مما يؤدي إلى حالة من الإحباط الاجتماعي والاغتراب داخل الوطن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض