رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراجعات

لم أكن أتصور أن وعكة صحية عابرة، ألمَّت بي بشكل مفاجئ، كافية أن تفتح أمامي بابًا واسعًا من الألم الإنساني، لتجعلني أرى عن قُرب، وجهًا آخر لمدينتي التي أعرفها جيدًا، لكنني ربما لم أتأملها في السابق من هذه الزاوية القاسية.
في تلك الليلة، دفعتني حالتي الصحية إلى طوارئ المستشفى القريب من منزلي.. كانت المسافة قصيرة، لكنها بَدَت وكأنها انتقال كامل، من عالم إلى آخر، ومن شوارع مكتظة بالضجيج والحيوية، إلى مكان تتجاور فيه المعاناة مع الصبر، واليأس مع الأمل الأخير.
في منطقتي المزدحمة حدَّ الاختناق، والصاخبة حدَّ التعب، لا يفصل بين الحياة والموت سوى أمتار قليلة، وجدار رقيق يعجز عن حجب الأصوات والمشاعر، في مفارقة ما بين أماكن لهوٍ تعج بالموسيقى والضحكات والوجوه العابرة، وآهات مرضى تتسلل بصعوبة من خلف الجدران، كأنها استغاثات صامتة لا يسمعها أحد.
ما إن اقتربت من بوابة الطوارئ، حتى بَدَت المفارقة الأكثر قسوة.. عالم يرقص ويغني، وآخر يختنق تحت وطأة الألم، دون أن يلتفت أحدهما إلى الآخر، وعندما تجاوزتُ الباب، وجدتُ نفسي داخل قاعة صغيرة تختنق بالبشر.. أجساد تفترش الأرض، وأخرى تتكئ على الجدران، وعيون زائغة تبحث عن طبيب، أو سرير، أو حتى لحظة اهتمام!
مشهد يبدو أكثر صعوبة، وكأنه وطن كامل يتألم دفعة واحدة.. وجوهٌ تتشابه في ملامح إرهاق حادٍّ، بجفافٍ في الروح، وعيون فقدت دهشتها من كثرة ما رَأت، وأطباء أنهكتهم المناوبات الطويلة، وممرضون يَجُرُّون تعبهم بصمت، وعمال يحاولون عبثًا السيطرة على فوضى لا تنتهي، ومرضى تتآكل أعصابهم انتظارًا لرحمةٍ قد تأتي.. أو لا تأتي!
لا يمكن وصف ما رأيتهُ من مشاهد أسِرَّة متهالكة أو إمكانات معدومة، لمرضى يُصارعون أنفاسهم الأخيرة، رافعين أيديهم إلى السماء باستغاثة، خوفًا من شدة الزحام وقلة الاهتمام، وكأنهم يخشون أن يموتوا مرة أخرى إن بقوا طويلًا في هذا المكان!
لعل المشهد الذي ظل عالقًا في ذهني أكثر من غيره، كان بكاء طفل صغير، يعيش لحظات رعب قاسية، بعد أن نهشته عضة كلب شارع، ويتسلل السُّعار إلى جسده النحيل.. يبكي بصوت مرتفع، وينظر حوله بعينين مذعورتين.. وهنا أدركتُ أن المأساة الحقيقية لا تكمن في المرض ذاته، بل في الاعتياد عليه، أو أن يصبح المشهد مألوفًا إلى الحدِّ الذي لا يثير غضبًا، ولا يوقظ ضميرًا، ولا يوقف ضحكة صاخبة تنبعث من مكان مجاور!
أخيرًا.. خرجتُ من قسم الطوارئ، ينتابني شعور بأنني لم أزر مستشفى فقط، بل رأيت صورة مختَصَرة لوطن كامل، يحتاج إلى إسعاف عاجل.. إسعاف للقلوب قبل الأجساد، وللضمائر قبل الجدران، لأدرِك جيدًا أن الأوطان التي تعتاد أنين مرضاها، تصبح مع الوقت أكثر مرضًا منهم.
فصل الخطاب:
يقول الكاتب والروائي الروسي «فيودور دوستويفسكي»: «إن أعظم المآسي ليست في صراخ المتألمين، بل في قُدرة العالم على مواصلة حياته كأن شيئًا لم يكن».
 
[email protected]