رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

العيد في التصور السائد لدى الكثيرين هو طقوس شكلية، ومجرد شراء للثياب الجديدة، وتفاخر بحجم الأضحية ، واستعراض للموائد العامرة على منصات التواصل الاجتماعي، وإغراق في الولائم الفائضة عن الحاجة. هذا التصور المادي يحصر العيد في خانة الاستهلاك والرفاهية، ويحوله إلى عبء نفسي واقتصادي يضغط على الفقير الذي لا يملك ثمن هذه المظاهر.

أما العيد في الحقيقة ، فهو حالة من التطهير النفسي والارتقاء الأخلاقي الذي يبدأ من التضحية بالأنانية أولاً قبل تضحية الأنعام. المعنى الحقيقي للعيد لا يكمن في كمية اللحم التي تدخل بيتك، بل في حجم البهجة التي تزرعها في بيت غيرك. العيد الحقيقي هو جبر الخواطر المنكسرة، وإذابة الفوارق الطبقية ، حيث يصبح الشبع جماعياً، والفرحة للجميع.

حين ننتقل من التصور الشكلي إلى الحقيقة، ندرك أن العيد ليس مناسبة للانفصال عن واقع المجتمع، بل هو لحظة الالتحام القصوى به. الأضحية الحقيقية هي التي تتحول إلى رسول سلام ومواساة يطرق أبواب المحتاجين بعزة وكرامة، ليعلن لهم أنهم ليسوا منسيين في غمرة الزحام. إن إبراز هذا الفارق يعيد صياغة الوعي الجمعي، ويذكر القادرين بأن قيمة العيد الحقيقية لا تُقاس بما ننفقه على أنفسنا من ترف، بل بما نقتطعه من ذاتنا لإنقاذ إنسان آخر من ذل الحاجة وقهر الفقر، ليكون العيد بحق عودة إلى الفطرة الإنسانية السوية والتراحم النبيل ، مما يمنح المجتمع صلابة وقدرة أكبر على تجاوز الصعاب بقلب واحد وجسد واحد، خصوصاً وأن عيد الأضحى هذا العام يأتي على ملايين الأسر المصرية ليس كأيام للبهجة، بل كمرآة كاشفة لعمق المعاناة. فالغلاء لم يعد مجرد أرقام ، فقد تجسد في عجز رب الأسرة عن توفير لحم يكفى لأبنائه.

الواقع الاقتصادي يفرض علينا مواجهة الحقائق بلا تجميل، فالعيد في جوهره الفلسفي والاجتماعي يمثل ثورة على الأنانية وحالة التباين الطبقي الحاد. ودعوة توعية تدعو القادرين إلى إدراك أن التخلي عن المظاهر الاحتفالية المبالغ فيها هو بداية التضامن مع الفقراء ، فالأضحية اليوم يجب أن تخرج من سياق المباهاة ، لتذهب إلى تلك الفقراء، ليصبح العيد بذلك جسراً حقيقياً يعبر بالجميع فوق هوة الفقر السحيقة، ويثبت أن تماسك المجتمع وأمنه النفسي يبدآن من إشباع البطون الجائعة أولاً.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:  "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ".فى هذا الحديث الشريف لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم  إطعام الجائع مجرد فضيلة أخلاقية أو نافلة يتخير المرء فعلها أو تركها، بل ربطها صراحة بأصل العقيدة والتحقق بالإيمان. إنه نفي للإيمان الكامل عمن يغلق عينه عن مأساة أقرب الناس إليه، والجار هنا ليس فقط من يلاصقك في السكن، بل يمتد في المفهوم الاجتماعي ليشمل أهل الحي، والقرية، والوطن بأكمله.

يروي المؤرخون عن خطبة العيد في مسجد السلطان حسن، وكيف كان يتحول الفناء الواسع عقب الصلاة إلى ساحة ممتدة لتقاسم العطايا. وفي إحدى السنوات التي ضرب فيها الغلاء البلاد وشحّت الأقوات، خاف الناس ألا يجدوا ما يطعمون به أولادهم في العيد، فما كان من كبار تجار سوق الخيامية والنحاسين إلا أن اتفقوا سراً على تشكيل ما يشبه الديوان الشعبي. فقاموا بشراء كل ما جلبته القوافل من ماشية، ولم يذبحوها في بيوتهم، بل ساقوها إلى الميادين العامة لتبدأ ملحمة تكافلية عظيمة ، حيث كان الجزارون يقطعون اللحوم ويوزعونها بالعدل، ليس كصدقة تحرج النفس، بل كهدية العيد لكل من يمر في الطريق، حتى اختفت معالم الحاجة في تلك الأيام، وسجلت المحاضر القديمة كيف تحولت المحنة إلى عيد حقيقي صان كرامة الفقير.

وفى مذكرات عبد الرحمن الجبرتي، نجد قصة ملهمة تعكس نبل الشخصية المصرية وقت الأزمات، ففي زمن الفرنسيين وما تلاه من اضطرابات أثرت على معايش الناس، كان هناك رجل من أعيان القاهرة يُدعى الشيخ مصطفى السيوطي، عُرف بمروءته الشديدة. ومع حلول عيد الأضحى في إحدى تلك السنوات العجاف، لاحظ الشيخ أن العديد من جيرانه من أرباب البيوت المستورة والموظفين الصغار لم يشتروا أضاحي هذا العام لعسر حالهم، وعزّت عليهم نفوسهم أن يطلبوا العون. لم يشأ الشيخ أن يرسل إليهم اللحوم مباشرة خشية جرح مشاعرهم، فابتكر حيلة نبيلة، قام بشراء الأضاحي ووزعها حية على تلك البيوت قبل العيد بليالٍ، مرسلاً معها رسالة رقيقة تقول: "هذه أمانتكم لدينا من ريع أوقافكم القديمة قد ردت إليكم". بهذه اللفتة الذكية، حول العطاء إلى حق مشروع، وحفظ ماء وجه العائلات، مبرهناً على أن التكافل المصري ليس مجرد إطعام بطون، بل هو قبل كل شيء جبر للخواطر ومراعاة للقلوب.

هذا يؤكد أن التكافل في مصر ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل هو جينات وراثية وطريقة حياة تنشط تلقائياً كلما اشتدت الظروف، لتظل الفرحة في مصر دائماً صناعة شعبية بامتياز، يشارك في صياغتها الجميع بمحبة وإيثار.وكل عام وأنتم بخير.