وقت الوقوف بعرفة والنفرة منها.. علي جمعة يوضح
قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن وقت الوقوف بعرفة والنفرة منها محل خلاف بين الفقهاء؛ فالأكمل الجمع في الوقوف بين الليل والنهار من بعد الزوال، والخلاف فيما سوى ذلك: فيجوز للحاج الوقوف والدفع من عرفة بعد الفجر وقبل الزوال كما هو رأي الحنابلة وعليه دمٌ، أو الدفع منها قبل الغروب من غير أن يكون عليه دمٌ كما هو قول الشافعية، أو الاكتفاء بالوقوف جزءًا من ليلة النحر، ولا حرج عليه في شيء من ذلك.
الوقوف بعرفة بعد الزوال
وأوضح جمعة أن العلماء أجمعوا على أن ما بعد الزوال هو وقتٌ صحيحٌ للوقوف بعرفة، وأن وقت الوقوف ينتهي بطلوع فجر يوم النحر، وأن مَن جمع في وقوفه بعرفة بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام ولا شيء عليه، وأن من وقف بعرفة ليلة النحر فحجه صحيح.
حكم الوقوف بعرفة والدفع منها قبل الزوال
وأضاف أن الجمهور ذهب إلى أن الوقوف بعرفة يبتدئ من الزوال، وأن الوقوف قبل الزوال غير مجزئ، ومَن لم يقف بعد الزوال فقد فاته الحج، والحنابلة يرون أن مَن وقف ونفر بعد الفجر وقبل الزوال فحجُّه صحيحٌ وعليه دمٌ، واحتجوا بحديث عروة بن مُضَرِّسٍ رضي الله عنه قال: أتَيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بالمُزدَلِفةِ حينَ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي جِئتُ مِن جَبَلَي طَيِّئٍ، أَكلَلتُ راحِلَتِي وأَتعَبتُ نَفسِي، واللهِ ما تَرَكتُ مِن جَبلٍ إلا وَقَفتُ عليه، فهل لي مِن حَجٍّ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن شَهِدَ صَلاتَنا هذه ووَقَفَ معنا حتى نَدفَعَ، وقد وَقَفَ بعَرَفةَ قبلَ ذلكَ لَيلًا أو نَهارًا، فقد أَتَمَّ حَجَّه وقَضى تَفَثَه» رواه الإمام أحمد، وصححه الحاكم وقال: [هذا حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث، وهي قاعدة من قواعد الإسلام] اهـ. من "المستدرك" (1/ 462، ط. الهند).
قال الإمام أبو البركات ابن تيمية الحنبلي في "منتقى الأخبار مع نيل الأوطار" (5/ 116، ط. المنيرية) بعد ذكره لهذا الحديث: [وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف] اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في "نيل الأوطار" (5/ 116): [وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال؛ بدليل أنه صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم يُنقَل عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيِّدًا لذلك المطلق، ولا يخفى ما فيه] اهـ.
الوقوف بعرفة بعد الزوال والدفع منها قبل غروب الشمس
وأشار المفتي الأسبق إلى أن جمهور علماء الأمصار أكدوا على أن مَن وقف بعرفة بعد الزوال ولو لحظةً، ونفر منها في أي وقت قبل الغروب، فإن وقوفه مجزئ وحجه صحيح. ثم منهم من يوجب عليه دمًا -كالحنفية والحنابلة- بناءً على أن الجمع بين الليل والنهار واجبٌ عندهم في الوقوف بعرفة.
ومنهم مَن لا يوجِبُ عليه شيئًا، وهو الأصح عند الشافعية ومَن وافقهم كالظاهرية، وروايةٌ عن الإمام أحمد؛ بناءً على أن الجمع بين الليل والنهار مستحبٌّ وليس واجبًا.
وخالف في ذلك الإمام مالك: فجعل ركنَ الوقوف بعرفة هو إدراك جزء من الليل. واستدل الجمهور بحديث عروة بن مُضَرِّسٍ رضي الله عنه السابق ذكره.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 432، ط. الكتاب العربي): [فإن دَفَع أي من عرفة قبلَ الغروب فحجُّه صحيحٌ في قول جماعةِ الفقهاء إلا مالكًا؛ قال: لا حَجَّ له، قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك] اهـ.
وفي "هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك" للإمام ابن جماعة (3/ 1165، تحقيق: د.صالح الخزيم): [وقال أبو طالب: سألتُ أحمد عن الرجل وقف بعرفة مع الإمام من الظهر إلى العصر، ثم تذكر أنه نسي نفقته بمِنًى؟ قال: إن كان قد وقف بعرفة فأحبُّ إليَّ أن يستأذن الإمام يخبره أنه نسي نفقته، فإذا أذن له ذهب، ولا يرجع؛ قد وقف، وإذا ما وقف بعرفة يرجع فيأخذ نفقته. ومن وقف بعرفة مِن ليل أو نهارٍ قبل طلوع الفجر فقد تم حجُّه] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض