200 عام على قصر العيني.. وثيقة نادرة لخطة مكافحة وباء الكوليرا 1831
في تاريخ الشعوب محطاتٌ فاصلة تُمحّص المعادن، وتثبتُ أن الصروح العظيمة لا تبنى إلا بالتضحيات. وفي تاريخ قصر العيني (الذي كانت نواته مدرسة الطب بأبو زعبل التي تأسست عام 1827م)، كان عام 1831م هو عام الاختبار الأقسى لجيل التأسيس؛ إذ واجهت المدرسة الناشئة بعد 4 سنوات فقط من تأسيسها واحدة من أبشع الجوائح التي عرفتها البشرية: جائحة الكوليرا الآسيوية (Cholera-Morbus).
وقدمت كلية طب قصر العيني شهادة عن تلك الفترة بنصٌّ تاريخي خطي نادر كتبه الطبيب الشهير "كلوت بك" بنفسه باللغة الفرنسية عام 1831م، وطُبع بالحجر في مدرسة الطب بأبو زعبل كتقرير ومقدمة لإهدائه لطلابه، يوثق فيه أحوال الصحة في مصر ومسار الوباء بدقة المشاهد العيان.
وثيقة نادرة لكلوت بك عن وباء الكوليرا
يروي لنا كلوت بك في تقريره كيف بدأ الوباء بالزحف، حيث تلقى مجلس الصحة في القاهرة في شهر مايو 1831م تقريراً من الطبيب العام للجيش المرابط في الحجاز يفيد بأن الكوليرا تفشت في مكة المكرمة مخلّفة خسائر فادحة. ويبدو أن المرض جُلب إلى هناك في أواخر شهر شوال (أبريل 1831م) بواسطة أفراد قادمين من الهند وميناء مسقط. ومع عودة الحجاج نحو مصر عبر القصير والسويس، تحركت الحكومة بإنشاء "أطواق صحية" (كردونات)؛ لكن تأخر التدابير الوقائية سمح بتسلل الحجاج إلى القاهرة أولاً قبل فرض الحجر عليهم عند خروجهم.
وفي منتصف يوليو، ضرب الوباء السويس بشدة مخيفة، مما دفع لتأسيس محجرين صحيين للمراقبة: أحدهما في "الطور/العورة" وقنا على ضفاف النيل لاستقبال الحجاج بحراً، والآخر في "بركة الحاج" للقادمين برّاً. وهناك أُرسل الطبيب "شيدوفان" (Chédufau) لتعزيز وضبط الكردون. وفي تقريره التاريخي لمجلس الصحة، أثبت شيدوفان حقيقة علمية هامة؛ وهي أن تفشي الكوليرا في القاهرة لم يسبقه وصول أي حاج أو سفينة من الحجاز إلى المدينة، بل ظهرت الحالات الأولى في السويس في بداية شهر صفر (يوليو)، لتبدأ الشائعات الغامضة تكتسب يقيناً في القاهرة في منتصف أغسطس، وترافق ذلك مع ظواهر جوية ملحوظة ومظهر كئيب للسماء.
ينقلنا كلوت بك إلى قلب المأساة في شوارع القاهرة؛ فمنذ 12 إلى 15 أغسطس، لم يترك الموت المفاجئ لعدة أفراد مجالاً للشك، وفي يوم 16 أغسطس بلغت الوفيات 83 فرداً في يوم واحد. وهنا انتشر ذعرٌ عام، شُلّت الأعمال، أُغلقت القنصليات، وفرّ التجار والموظفون في كل اتجاه.
ويرسم كلوت بك صورة حية للمدينة قائلأ: "إن ملامحهم المذعورة، ورحيلهم المتسرع، والمرور المستمر للجمال المحملة بأمتعة الفارين، ثم تتابع الضحايا السريع.. تشكل مشهداً قاسيناً مع صرخات النحيب ومواكب الجنازات. كان الكوليرا يباغت الشخص فجأة فيسقط أرضاً كمن أصابه سهم من عدو خفي، ويموت بعد بضع ساعات من المعاناة دون أي مساعدة سوى القليل من الماء".
وفي غمرة هذا الذعر العام الذي ضرب العاصمة وبلغ ذروته في منتصف أغسطس، أصابت "عدوى الخوف" بعض الأطباء والصيادلة الخارجيين ففروا وتخلوا عن المستشفيات والوحدات العسكرية. لكن في المقابل، انبرت طليعة شجاعة من الأساتذة الأوفياء لضرب أروع الأمثلة في الثبات والتضحية (مثل: بوزاري رئيس مجلس الصحة، ودوفينيو، وبيرنارد، وكيروبيني الأستاذ بمدرسة أبو زعبل، وهامونت مدير المدرسة البيطرية، ورايموند، وسيرفيلي طبيب البحرية، وغراسي، وبيروني، وريغو في المنصورة، وتيراميرا، والصيادلة لابينات وفيغاري ومونيه).
وهنا برز الدور المحوري والتاريخي لأطباء وطلبة مدرسة ومستشفى أبو زعبل، الذين انبروا لسد هذا الفراغ ببطولة منقطعة النظير؛ فلم ينعزلوا داخل مدرستهم، بل تم توزيعهم مباشرة في قلب الخطر، فخدموا ببسالة في المستشفيات العامة، وفي الفصائل والوحدات العسكرية، والمعسكرات التابعة للجيش التي تفشى فيها المرض، بالإضافة إلى إرسال الأساتذة لدعم خطوط الحجر الصحي والكردونات.
وقد سطر طلاب المدرسة الناشئة ملحمة شرف؛ إذ يثبت كلوت بك بفخر أنه "لم يقم أي طالب من طلاب الدرجة الأولى بترك موقعه أو التخلي عن عمله قط"، بل ثبتوا في مواقعهم محاكاةً لتفاني أساتذتهم الأجلاء، يواجهون الموت بينما كان عامة الشعب يتقبلون هذا الوباء الصاعق باعتباره قضاءً وقدراً لا حيلة فيه.
نجح هؤلاء الطلاب في نيل ثقة الأهالي في وقت كان الموت يباغت الناس في الشوارع كالسهم الخفي؛ حيث ائتمنهم السكان على صحة عائلاتهم داخل البيوت، وردوا بنجاح لا جدال فيه على كافة الاتهامات الظالمة التي كانت تُوجه ضد كفاءة المدرسة الحديثة من قِبل المشككين.
ونتيجة لهذا الصمود الأسطوري، نال طلاب أبو زعبل شهادات شرفية معتمدة وموثقة قدمت لهم من الجنرالات، والعقداء (الكلونيلات)، ورؤسائهم المباشرين في الجيش والحكومة تقديراً لشجاعتهم في المستشفيات والمعسكرات.
أما الفخر الحقيقي لنا، فهي تلك الشهادة والتقييم الذي سطره كلوت بك خطياً في إهدائه الموجه إلى "طلبة الطب بمدرسة أبو زعبل" (النواة الأولى للقصر العيني)، والذين كانوا شهود عيان، وفجعوا بوفاة أقاربهم وزملائهم في الدراسة الذين قضوا نحبهم ضحايا لتفانيهم وعملهم.
لقد وجه كلوت بك لهم رسالة شكر خالدة ستبقى طوق شرف في جيد كل خريج، يوضح فيها كيف نالوا هذه المكانة الرفيعة قائلاً:
"إنني أخص بالتهنئة بشكل خاص أولئك الطلاب من (الدرجة الأولى) الذين كانوا قادرين بالفعل على استشعار كرامة الفن الطبي وواجبات الطبيب، ولم يتخلَّ أحد منهم عن موقع عمله؛ وبذلك قد اتبعتم وقمتم بمحاكاة تفاني أساتذتكم... لقد رددتم بنجاح لا جدال فيه على الهجمات الجائرة والاتهامات الظالمة التي وُجِّهت ضدكم... لا أحد يجرؤ على إنكار ذلك، فقد كانت هيئات الصحة شهوداً على ذلك؛ لقد ائتمنكم الناس على عائلاتهم ونلتم مكافأتكم على ذلك".
إن هذا التقرير التاريخي النادر لعام 1831م، ليس مجرد رصد وبائي، بل هو وثيقة ولادة "عقيدة قصر العيني الطبية"؛ العقيدة التي تقوم على الشجاعة، ومواجهة الخطر في الخطوط الأمامية، ورفض التخلي عن المريض مهما بلغت ضراوة الجائحة.
تحيةً لجيل التأسيس من أساتذة وطلبة صمدوا في وجه الكوليرا قبل قرابة قرنين من الزمان، لتبقى راية الطب في مصر مرفوعة، وليظل قصر العيني دائماً وأبداً.. قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم.
توقيع خطي من الوثيقة كلوت بك (Clot Bey)
مدرسة الطب بأبو زعبل، طُبع بالحجر عام 1831م.





تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض





