رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى


لم يعد القرن الإفريقي مجرد هامش جغرافي بعيد عن تطورات الشرق الأوسط، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها الجغرافيا مع الأمن، والبحر مع السياسة، والاعتراف الدولي مع حسابات النفوذ، وفي هذا السياق جاء إعلان إقليم أرض الصومال عن توجهه لافتتاح ممثلية أو ما سُمّي بسفارة في القدس المحتلة ليطرح أسئلة تتجاوز حدود الكيان الصومالي نفسه، وتمتد إلى وضع القدس ووحدة الصومال، وحسابات الأمن القومي العربي والمصري، فالخطوة في جوهرها ليست مجرد تحرك دبلوماسي محدود، بل تعبير عن محاولة واضحة لكسر العزلة السياسية التي يعيشها الإقليم منذ إعلان انفصاله من طرف واحد عام 1991، لكن اللافت أن هذه المحاولة اختارت بوابة شديدة الحساسية وهي القدس، بما يحمله ذلك من دلالات قانونية وسياسية تتصل مباشرة بالقضية الفلسطينية وبصراع طويل حول شرعية الوجود والتمثيل.
تعود جذور قضية أرض الصومال إلى بدايات الاستقلال الصومالي في عام 1960، فقد نال الإقليم استقلاله عن بريطانيا، ثم اتحد بعد أيام قليلة مع الصومال الإيطالي ضمن مشروع الدولة الصومالية الموحدة، غير أن هذه الوحدة لم تلبث أن دخلت في مسار متعثر، مع تصاعد التوترات الداخلية وتراجع الدولة المركزية، ثم الانهيار الكبير الذي أصاب الصومال مطلع التسعينيات، وفي عام 1991 أعلنت هرجيسا الانفصال من جانب واحد، ومنذ ذلك التاريخ وهي تدير شؤونها الداخلية بشكل شبه مستقل، وتتمتع بقدر من الاستقرار الأمني والمؤسسي مقارنة ببقية المناطق الصومالية.
ومع ذلك بقيت المشكلة الكبرى على حالها: لا اعتراف دولي واسع، ولا خروج من المنطقة الرمادية التي تجعلها كياناً قائماً فعلياً، لكنه غير مكتمل الشرعية من منظور القانون الدولي.
ومن هنا يمكن فهم كثير من تحركات الإقليم الخارجية فكلما طال أمد العزلة، زاد الميل إلى البحث عن أي منفذ سياسي أو رمزي يفتح باباً للاعتراف، أو يمنح القيادة في هرجيسا حضوراً يتجاوز حدودها الجغرافية الضيقة.

اختيار القدس ليس تفصيلًا ثانوياً في هذه القضية، بل هو مفتاح فهمها كله، فالمدينة تحتل موقعاً فريداً في الوعي العربي والفلسطيني، كما أن وضعها القانوني والتاريخي لا يزال من أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي. ولذلك فإن أي خطوة تتعلق بفتح تمثيل دبلوماسي فيها تحمل تلقائياً معنى سياسياً يتجاوز حجم الفاعل نفسه.
ومن هذا المنطلق لا يمكن قراءة إعلان أرض الصومال باعتزامها افتتاح سفارة في القدس بوصفه مجرد توسع في العلاقات الخارجية، بل باعتباره محاولة للتموضع داخل معادلة إقليمية أكثر تعقيداً، عبر بوابة تمنح الحركة في ظاهرها شرعية، وفي باطنها كثيراً من الجدل، كما أن الخطوة تأتي في لحظة تحاول فيها إسرائيل توسيع اختراقها للقارة الإفريقية، وتوظيف بعض الكيانات الهشة أو غير المعترف بها دولياً لإظهار أن حضورها في المنطقة يزداد اتساعاً.

تحمل هذه الخطوة أكثر من دلالة سياسية أولها أنها تعكس بحثاً واضحاً من جانب أرض الصومال عن كسر العزلة الدولية بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كان الثمن الدخول إلى منطقة شديدة الحساسية مثل القدس المحتلة، وثانيها أنها تكشف أن بعض الكيانات التي تعاني من أزمة اعتراف قد تلجأ إلى قضايا كبرى، مثل القضية الفلسطينية، لتمنح نفسها وزناً تفاوضياً أو رمزياً أكبر.
وفي المقابل فإن إسرائيل تستفيد من مثل هذه التحركات في تعزيز خطابها السياسي والإعلامي، وإظهار أن القدس لم تعد معزولة كما تريدها الرواية العربية والفلسطينية.
ولهذا فإن الخطوة لا تمس فقط وضع أرض الصومال، بل تدخل أيضاً في إطار أوسع يتعلق بمعركة الرمزية والسيادة حول المدينة المحتلة.

الانعكاس الأشد وضوحاً لهذا التطور يظهر على الساحة الفلسطينية، فافتتاح أي تمثيل دبلوماسي في القدس المحتلة، حتى لو صدر عن كيان غير معترف به على نطاق واسع، يظل مساهمة سياسية في إضعاف الموقف الرافض لتغيير وضع المدينة القانوني والتاريخي، كما يمنح الاحتلال الإسرائيلي مادة جديدة لتسويق فكرة أن الأمر الواقع بدأ يترسخ تدريجياً.
والخطر هنا لا يكمن في حجم الجهة التي اتخذت الخطوة، بل في الرسالة التي تحملها فالقدس ليست ساحة رمزية يمكن استخدامها في صفقات الاعتراف، بل قضية احتلال وحقوق وسيادة، وأي خطوة من هذا النوع تضيف عبئاً جديداً على الموقف العربي والفلسطيني الرافض لشرعنة الوجود الإسرائيلي في المدينة.

أما على الصعيد الصومالي فإن الخطوة تمثل تطوراً شديد الحساسية، فالحكومة الفيدرالية في مقديشو ترى أن أرض الصومال جزء من الدولة الصومالية، وأن أي تحرك خارجي يتجه إلى تكريس واقع انفصالي يُعد مساساً مباشراً بوحدة البلاد وسيادتها.
ومن هذه الزاوية فإن افتتاح ممثلية في القدس لا يضيف فقط حضوراً خارجياً لهرجيسا، بل يمنح مشروعها الانفصالي بعداً سياسياً ورمزياً أوسع، وهذا قد يزيد من تعقيد أي مسار تفاوضي مستقبلي بين الطرفين، لأن الخطوة ترفع مستوى التحدي وتحوّل الملف من خلاف داخلي إلى ورقة توظف إقليمياً ودولياً.
بالنسبة لمصر لا يمكن فصل التطورات في القرن الإفريقي عن دوائر أمنها القومي المباشر، خصوصاً ما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب وقناة السويس، ومن ثم فإن أي تمدد إسرائيلي في هذه المنطقة يُقرأ في القاهرة باعتباره جزءاً من تغير أوسع في البيئة الاستراتيجية المحيطة.
وتزداد حساسية هذا التطور عندما يرتبط بإقليم له موقع ساحلي مهم على خليج عدن، لأن ذلك يفتح المجال أمام تساؤلات مشروعة حول ما قد يتبعه من تعاون أمني أو استخباراتي أعمق.
كما أن مصر التي تدعم وحدة الدولة الصومالية وترفض تفتيتها، تنظر إلى مثل هذه الخطوات باعتبارها تهديداً مباشراً للمقاربة التي تقوم عليها سياستها في المنطقة كدعم الدولة الوطنية ومنع انهيارها.

على المستوى العربي الأوسع تكمن خطورة هذا التطور في أنه يفتح الباب أمام سابقة جديدة، وهي استخدام ملف القدس بوصفه بوابة للحصول على دعم سياسي أو اعتراف رمزي من خارج الإطار العربي.
وإذا ترسخت هذه السابقة فقد تشجع أطرافاً أخرى على السلوك ذاته، بما يعني تآكلًا تدريجياً في الموقف العربي الرافض لشرعنة الوجود الإسرائيلي في القدس المحتلة.
كما أن اختراق القرن الإفريقي عبر الكيانات الهشة أو الانفصالية يهدد بتوسيع رقعة التوتر في محيط البحر الأحمر، وهو مجال شديد الحساسية للأمن العربي الجماعي.
فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بفلسطين أو الصومال، بل ببنية الأمن الإقليمي ككل، وبقدرة الدول العربية على حماية دوائرها الاستراتيجية من التداخل غير المنضبط.

فإن ما أقدمت عليه أرض الصومال ليس مجرد تحرك دبلوماسي، بل مغامرة سياسية محسوبة على ضيق الأفق، فالقفز إلى القدس المحتلة بحثاً عن شرعية مفقودة لا يصنع اعترافاً، بل يضع الكيان المنفصل في موقع أكثر هشاشة، ويمنح الاحتلال الإسرائيلي فرصة إضافية لتوظيفه في معركته الممتدة ضد الحقوق الفلسطينية.
أما عربياً ومصرياً فإن الخطوة تحمل مؤشراً واضحاً على اتساع رقعة الاختراق الإسرائيلي في محيط بالغ الحساسية، بما يفرض قراءة أكثر صرامة لما يجري في القرن الإفريقي، باعتباره لم يعد هامشاً بعيداً، بل جزءاً مباشراً من معادلة الأمن القومي العربي.