رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى


تظهر المنطقة العربية، في قراءة الاقتصاد السياسي، حالة دالة على التباين بين الثروة المتاحة والقدرة المؤثرة؛ فهي واحدة من أغنى أقاليم العالم بالموارد الطبيعية، لكنها غير قادرة على التحول إلى قطب تنموي يملي شروطه في النظام الاقتصادي الدولي. الدول العربية تحتفظ بأكثر من ثلاثة وأربعين في المئة من الاحتياطات النفطية المؤكدة في العالم، وتوفّر قرابة ثلث الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعلها لاعبًا لا غنى عنه في أسواق الطاقة التقليدية. ومع ذلك، فإن هذا الثقل لم يُترجم بعد إلى نموذج تنموي قادر على الصمود أمام تحولات ما بعد الهيدروكربون، ولا إلى تموضع استراتيجي يواكب انتقال العالم نحو اقتصاد منخفض الكربون وذي طبيعة رقمية عالية.
وعند النظر إلى خريطة الموارد بعين تحليلية أشمل، يتضح أن النفط والغاز ليسا إلا طبقة من طبقات ثروة أكثر تنوعًا. فإلى جانب حقول الطاقة الهيدروكربونية في الخليج والعراق وليبيا والجزائر، تمتد أحزمة من المعادن الاستراتيجية في السعودية والمغرب وموريتانيا ومصر ودول أخرى، تشمل الذهب والحديد والفوسفات والنحاس والبوكسايت واليورانيوم، وهي عناصر تدخل في صميم الصناعات الحديثة، من الأسمدة إلى البطاريات وتقنيات الطاقة الجديدة. 
وفي موازاة ذلك، يملك الإقليم واحدًا من أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في العالم؛ إذ تشير تقارير متخصصة إلى أن مناطق واسعة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتجاوز فيها مستويات الإشعاع الشمسي المباشر 6.4 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يوميًا، ما يجعلها من بين الأنسب عالميًا لتقنيات الطاقة الشمسية المركزة، في وقت تشير فيه الوكالة الدولية للطاقة إلى أن المنطقة قادرة على زيادة طاقتها المتجددة الحالية بما يقارب أربعة أضعاف ونصف. على مستوى الجغرافيا السياسية، يقع العالم العربي في قلب شبكات التجارة البحرية والبرية، ويربط بين ثلاث قارات وطرق طاقة وسلع حيوية، ما يمنحه إمكانات لوجستية وتنافسية هائلة.
غير أن هذه الصورة المشرقة تخفي تحتها هشاشة بنيوية عميقة، تتجلى في ندرة المياه وتغير المناخ. فالإقليم يضم حوالى خمسة في المئة من سكان العالم، لكنه لا يمتلك سوى واحد في المئة تقريبًا من الموارد المائية المتجددة عالميًا، فيما ينخفض متوسط نصيب الفرد من المياه المتجددة إلى أقل من خمسمائة متر مكعب سنويًا في معظم الدول، أي دون عتبة الفقر المائي بأشواط. ومع تسارع آثار الاحتباس الحراري، تحذر تقارير دولية من احتمال تراجع توفر المياه في المنطقة بنحو ثلاثين في المئة بحلول منتصف القرن، وتراجع الإنتاجية الزراعية بين ثلاثين وستين في المئة، بما يضاعف هشاشة الأمن الغذائي في إقليم يعتمد بدرجة مرتفعة على واردات الغذاء. وهكذا تتقاطع وفرة الطاقة مع ندرة المياه في معادلة تجعل إدارة الموارد مسألة وجودية لا اقتصادية فقط.
وعلى مستوى التركيبة السكانية، تقف المنطقة أمام ما يمكن وصفه بـ"نافذة ديموغرافية تاريخية". فإحصاءات الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية تشير إلى أن ما يقرب من ستين في المئة من سكان العالم العربي لم يتجاوزوا الثلاثين عامًا، وأن الفئة بين الخامسة عشرة والتاسعة والعشرين تمثل نحو ثلاثين في المئة من إجمالي السكان، أي ما يزيد على مئة وعشرة ملايين شاب وشابة. في نظريات التنمية، يمكن لهذه الكتلة الشابة أن تصبح رافعة تحول اقتصادي كبرى، إذا أدمجت في اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مصدر عدم استقرار إذا بقيت خارج دوائر الإنتاج الحديث وسلاسل القيمة العالمية.
هذه المفارقات تضع المنطقة في قلب النقاشات الكلاسيكية والمعاصرة في الاقتصاد السياسي، من "مأزق الموارد" إلى "الدولة الريعية" و"التبعية البنيوية". فالتاريخ الاقتصادي لعدد من الدول العربية يشير إلى نمط ريعي، يقوم على استخدام عوائد النفط والغاز لتمويل عقود اجتماعية توزيعية، مع إرجاء الإصلاحات البنيوية في الإنتاج والتعليم والإدارة. هذا النمط بدا مغريًا في فترات ارتفاع أسعار الطاقة، لكنه ترك الاقتصادات مكشوفة أمام صدمات الأسعار، وأبقى القطاعات غير النفطية أقل قدرة على المنافسة، وأخّر الانتقال من دور "المورّد الخام" إلى دور "الفاعل الصناعي" المنخرط في سلاسل القيمة المعقدة.
في الوقت نفسه، يكشف ضعف التكامل الاقتصادي العربي عن جانب آخر من قصور استخدام الموارد كأداة قوة جماعية. فبرغم عقود من المبادرات، لا تتجاوز حصة التجارة البينية العربية نحو أربعة عشر في المئة من إجمالي الصادرات العربية، بينما ترتفع حصة التجارة غير النفطية البينية إلى ما يقرب من ثلث التبادل غير الهيدروكربوني. ويعني ذلك أن المواد الخام العربية ومخرجاتها الصناعية تتدفق أساسًا نحو مراكز إنتاج واستهلاك خارجية، في حين تبقى السوق العربية عاجزة عن أن تتحول إلى فضاء تكاملي قادر على استيعاب الصناعات الكبرى، وتشكيل كتلة تفاوضية مقتدرة في مواجهة الأقطاب الاقتصادية الأخرى.
أمام هذا المشهد المركّب، يصبح الحديث عن استغلال الثروات العربية الفعّال أقرب إلى خيار استراتيجي لإعادة تموقع الإقليم في النظام الدولي، لا مجرد نقاشات تنموية داخلية. فالتحول من منطق "الريع" إلى منطق "هندسة القوة" يستدعي إعادة تصميم النموذج الاقتصادي على أسس متعددة. يبدأ ذلك بتطوير سياسات صناعية ذكية، تربط بين قطاع الطاقة التقليدية والتحول العالمي نحو الحياد الكربوني، عبر توطين سلسلة أوسع من الصناعات المرتبطة بالطاقة، من البتروكيماويات المتقدمة إلى الهيدروجين الأخضر وتقنيات تخزين الكربون. كما يتطلب بناء منظومة تعدين عصرية ترى في المعادن الحرجة رافعة استراتيجية لتموضع جديد في خريطة الصناعات الخضراء، بدل الاكتفاء بدور المورد الأولي.
ويتكامل ذلك مع إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، بحيث تنتقل من دور الممول الريعي إلى دور المخطّط الاستراتيجي والميسِّر لاقتصاد تنافسي يعتمد على القطاع الخاص المنتج، لا الاستهلاكي. ويقتضي هذا التحول إصلاحًا عميقًا في بنية التعليم والتدريب ومؤسسات سوق العمل، حتى تتجه طاقات الشباب نحو قطاعات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة والاقتصاد الرقمي، بدل تركها عالقة في وظائف منخفضة الإنتاجية أو خارج سوق العمل تمامًا. وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وفي البحث العلمي والابتكار، شرطًا لإعادة توطين القيمة داخل الاقتصادات العربية، بدل استمرار تسربها إلى الخارج عبر واردات التكنولوجيا والخدمات عالية المعرفة.
في المقابل، لا يمكن فصل مسألة استثمار الثروات عن طبيعة ومتطلبات الحوكمة. فالنزاعات الإقليمية، والتوترات السياسية، والبيروقراطية الإدارية في عدد من الدول، كلها عوامل تقوّض جدوى أي سياسة موارد رشيدة. كما أن ندرة المياه وتدهور الأراضي وتفاقم آثار التغير المناخي تجعل من الاستدامة البيئية جزءًا من معادلة الأمن القومي. وبناءً عليه، يغدو إصلاح مؤسسات إدارة الموارد، وتكريس الشفافية في عقود الطاقة والتعدين، وضمان توزيع أكثر عدالة للعوائد، مداخل أساسية لربط الثروة بالاستقرار، ولتجنيب المنطقة سيناريوهات الانكشاف أمام صدمات خارجية أو داخلية.
في الأفق الأوسع، تطرح هذه التحديات والفرص على صانعي القرار في المنطقة تساؤلات حول ما إذا كانت ستظل الثروات العربية مجرد مدخل إلى "اقتصاد تابع" يتكيّف مع موجات التغيير القادمة من الخارج، أم يمكن أن تتحول إلى قاعدة لبناء نموذج تنموي مختلف يربط بين الموارد الطبيعية والكتلة الديموغرافية الشابة والموقع الجغرافي الفريد. ما يجب إدراكه هو أن الاقتصاد العالمي يدخل طورًا جديدًا، تُعاد فيه صياغة معايير القوة حول من يمتلك التكنولوجيا الخضراء، ومن يسيطر على سلاسل التوريد، ومن يُنتج المعرفة. 
وبهذا الفهم، يمكن للإقليم العربي، أن يعيد توجيه مسار ثرواته نحو بناء قوة ذاتية قادرة على التأثير في مسارات القرار العالمي شريطة أن يترافق ذلك مع إرادة سياسية تُعيد هيكلة الاقتصاد وتوجّه الاستثمارات نحو بناء المؤسسات القوية، وتطوير رأس المال البشري، وربط الاقتصاد بالفرص العالمية الجديدة.
إن لحظة التحول الكبرى التي يعيشها العالم اليوم تجعل من إعادة التفكير في الثروة العربية ضرورة معرفية وسياسية. فالقضية ليست في تحسين آليات استثمار الموارد، بل في القدرة على إعادة تموضع الموارد بوصفها أساسًا لبناء مستقبل اقتصادي مختلف. حين تنجح الدول العربية في توظيف هذا التحول وربطه بين مواردها الطبيعية وطاقاتها البشرية، يمكن أن تتحول الاقتصادات العربية إلى بنية حضارية صلبة قادرة على الاستمرار والتجدد.