الأوقاف تكشف عن موضوع خطبة عيد الأضحى المبارك
كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر منصتها الرقمية، عن موضوع خطبة عيد الأضحى المبارك، وذلك من خلال الإصدار الخامس والخمسون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء.
موضوع خطبة عيد الأضحى المبارك
الحمد لله رب العالمين، الله أكبر ما وقف الحُجَّاج على عرفات، الله أكبر ما تداركوا أنفسهم لما فات، الله أكبر ما ارتفعت أصواتهم بالدعوات، الله أكبر ما قَبِلَ الله دعاءهم، الله أكبر ما جبر خواطرهم، الله أكبر ما عفا عن مسيئهم، الله أكبر ما شملنا بعفوه معهم.
خطبة عيد الأضحى المبارك
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن يوم عيد الأضحى المبارك، يومٌ عظيم، حديثه متشعب الأطراف، ففيه دروس وعبر، مواقف ومواعظ، أخلاق وسلوكيات، فتاوى وأحكام، وسوف نختصر لك أهم دروسه وفوائده لترى شرف هذا اليوم الذي هو من أعظم أيام الله تعالى.
يوم النحر من أفضل أيام الدنيا على الإطلاق
ويشهد لذلك قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ وَهُوَ الَّذِى يَلِيهِ» [رواه أبو داود].
ويوم القَرّ هو اليوم الحادي عشر، وهو اليوم الذي يستقر فيه الحجاج بمنى بعد أداء المناسك.
وهذا اليوم الجليل يُسمى بيوم الحج الأكبر، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو واقف بين الجمرات في حجة الوداع: «هذا يومُ الحجِّ الأكبرُ» [رواه البخاري]، وما ذاك إلا لأن معظمَ أعمال الحج، وأهم أركانه ومناسكه، تجتمع في هذا اليوم المبارك، ففيه يرمي الحجاج جمرة العقبة الكبرى، وفيه ينحرون هديهم تقربًا إلى الله تعالى، وفيه يحلقون رؤوسهم أو يقصِّرون، وفيه يطوفون طواف الإفاضة بالبيت العتيق، ويسعون بين الصفا والمروة، فاجتماع هذه العبادات الجليلة في يوم واحد هو ما أعطاه هذه المكانة العظيمة، وجعله يوم الحج الأكبر.
وهذا اليوم هو عيدنا أهل الإسلام، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ». [رواه أبو داود والترمذي والنسائي].
من أسرار مناسك الحج
لقد أفاض حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي في بيان هذه الأسرار في «إحياء علوم الدين» وإليك خلاصتها:
- الإحرام: خلع الدنيا كما يُخلع الثوب، ودخول في حضرة الله، وهو يشبه لباس الكفن وفيه إشارة للزهد والموت عن الشهوات.
- الخروج من الوطن: يمثل الهجرة إلى الله، وترك ما يشغل عن لقائه، وتذكير بالرحيل من الدنيا والقدوم على الله.
- الطواف: دوران حول مركز التوحيد، على مثال طواف الملائكة حول العرش؛ فالقلب يجب أن يطوف مع الجسد، متذكّرًا عظمة الله.
- السعي بين الصفا والمروة: تذكير بسعي السيدة هاجر في طلب الماء، وتمثيل للسعي بين الرجاء والخوف، وكذلك السعي بين كفتي الميزان يوم الحساب، وفيه كذلك درس على اليقين والثقة بالله رغم قسوة الابتلاء.
- الوقوف بعرفة: لُبُّ الحج، وهو يرمز إلى الوقوف بين يدي الله يوم القيامة، والدعاء فيه تجلٍّ لذل العبودية، ويُطلب فيه العتق من النار والتوبة النصوح.
- رمي الجمرات: إشارة إلى رجم الشيطان ومحاربة وساوس النفس، وهو إعلان عداوة بينك وبين إبليس.
- الهَدْي/ الذبح: تمثيل للفداء، كما فدى الله سيدنا إسماعيل بذبح عظيم، وفيه درس على التضحية والخضوع الكامل لأمر الله.
- الحلق أو التقصير: رمز لتجديد الحياة والتطهر، كأن الحاج يولد من جديد بعد تطهيره.
من المعاني الكبرى للحج
- الحج رحلة إلى الله بالجسد والروح.
- تدريب على الزهد والإخلاص والتجرد من علائق الدنيا.
- يظهر فيه معنى المساواة بين الناس، فالجميع أمام الله سواسية في الرداء الأبيض.
- العودة نقيًّا من الذنوب كاليوم الذي ولدته أمه.
- تحقق المعرفة بالله، والخضوع التام له، والتوبة النصوح.
- العودة إلى الدنيا لكن بقلب مرتبط بالآخرة.
منحة تولدت من محنة
يذكرنا عيد الأضحى بسبب مشروعيته وهو أن سيدنا إبراهيم الخليل أمره الله تعالى أن يذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، أمره الله تعالى أن يذبح ولده الوحيد الذي بُشِّر به على الكِبَر، قال سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي: العمل، وبلغ مبلغ التكليف، وصار محبوبًا لأبيه {قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى} فكان جواب الولد لا يقل عن تسليم الوالد {قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: ١٠٢].
فجاء عيد الأضحى ليذكرنا بالاستسلام المطلق لأمر الله تعالى، وأن الله يكافئ العبد إذا أطاعه؛ فعَنْ سيدنا أَبِيّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَلَا تَهَاوَنَ بِهِ عَبْدٌ، فَأَخَذَ مِنْ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ". [الزهد والرقائق لابن المبارك].
ومن هنا نتعلم أن "في كل محنة منحة"، فلما رأى الله تعالى تسليم الوالد والولد فدى الله تعالى ولده، وبشره يإسحاق من بعد ذلك.
فكن له مُسَلِّمًا كي تسلما ... وأتبع سبيل الناسكين العُلَمَا
وصدق من قال:
إِلَهي فَجُدْ واصْفَحْ وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا ... فَأَنْتَ الذِي تُولِي الجَمَيلَ وَتُكْرِمُ
وَأَنْتَ الذِي قَرَّبْتَ قَومًا فَوَافَقُــــــــــــوا ... وَوَفَّقْتَهُم حَتَّى أَنَابُوا وَسَلَّمُوا
وَقُلْتَ اسْتَقَامُــــــــــــــــــــوا مِنَّةً وَتَكَرُّمًا ... فَأَنْتَ الذِي قَوَّمْتَهُم فَتَقَوَّمُوا
لَهُمْ في الدُّجَى أُنْسٌ بِذِكْرِكَ دَائِمًــــا ... فَهُمْ في اللَّيَالِي سَاجِدُونَ وَقُوَّمُ
نَظَرْتَ إِلَيْهِم نَظْرَةً بِتَعَطُـــــــفٍ ... فَعَاشُـــــوا بِهَا وَالنَّاسُ سَكْرَى وَنُوَّمُ
لَكَ الحَمْدُ عَامِلْنــــــا بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ ... وَسَامِحْ وَسَلِّمْنَا فَأَنْتَ المُسَلِّمُ
يوم الفرح والبهجة والتوسعة على النفس والأهل والناس كافة
إن شريعة الإسلام حنيفية سمحة، وسطية معتدلة، توازن بين حاجة الروح والجسد، تروح عن النفس حتى تقبل على الطاعات بجد ونشاط، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسع على نفسه في العيدين والجمعة، ويخصهما بمزيد من الاهتمام، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّةٌ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ» [رواه ابن خزيمة في صحيحه].
ولا يغفل حق أهله في الترويح عنهم، وإشباع حاجتهم النفسية من المباحات، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: "جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ" [رواه مسلم].
قال العلامة الدكتور موسى شاهين لاشين: "إذا كان الإسلام قد استفتح أيام العيد بالتكبير والتهليل والذكر والصلاة والخطبة، فإنه شرع من البهجة والسرور والمرح في هذه الأيام، ما يلبي حاجة الجسم ورغبة النفس، وإذا كان الوقار قد وضع كبار المسلمين في إطار ديني يترفع بهم عن اللهو فإنه حال بينهم وبين التحكم ومنع ذوي الأهواء والمتع من الصبية والجواري والشباب والشابات من أن يتمتعوا ويمرحوا وينعموا باللهو واللعب إلى حد ما، نعم؛ ما أعظم سمو الإسلام، وما أجمل سماحته ويسره ورقته وعطفه
ولم يكتف صلى الله عليه وسلم بالاستجابة إلى رغبة زوجته، وبالإغضاء عن لهوها في بيت النبوة، بل يتجاوز ذلك إلى أن يدعوها لرؤية اللهو وسماعه ويشجعها ويساعدها عليه". [فتح المنعم شرح صحيح مسلم (٤/ ١٢٣)].
ورُويَ عن الإمام الشعبىّ قال: "مرَّ عِيَاضٌ الأشعري في يوم عيد فقال: ما لى لا أراهم يقلِّسون فإنه من السنّة! والتقليس: الضرب بالدفّ، قاله هشيم". [نهاية الأرب].
والتوسعة على الأهل تشمل الطعام والشراب وغيرها، فقد قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: يستحب التبسط في الطعام المباح لحاجة، كقرى الضيف، وأوقات التوسعة كيوم عاشوراء ويوم العيد، إذا لم يقصد بذلك التفاخر والتكاثر، بل تطييب خاطر الضيف والعيال، وقضاء وطرهم مما يشتهونه. [حاشية الشرواني على تحفة المحتاج].
وليس السعيد من يُسعد أهله وينسى جيرانه وأقاربه، بل عليه أن يتفقد القريبين منه ويساعدهم بما يقدر عليه من ألوان المعروف، وينظر الفقراء واليتامى، وليوسع عليهم كما وسع على أهله، قال سيدنا أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنْ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ" [صحيح مسلم].
وسئل سيدنا ابن عمر: ما حقّ المسلم على المسلم؟ قال: "ألّا يشبع ويجوع، وألّا يلبس ويعرى، وأن يواسيه ببيضائه وصفرائه".
وكان ابن أبي بكرة (وأبو بكرة هو الصحابي الجليل نُفَيْعُ بن الحارث رضي الله عنه) ينفق على جيرانه أربعين دارًا سوى سائر نفقاته، وكان يبعث إليهم بالأضاحيّ والكسوة في الأعياد، وكان يعتق في كلّ يوم عيد مئة مملوك.
وكان حمّاد بن أبي سليمان يفطّر كلّ ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانًا، وإذا كان يوم الفطر كساهم ثوبا ثوبا وأعطاهم مئة مئة. [الإمتاع والمؤانسة].
املأ عيدك بألوان الطاعات
إن هذا اليوم من جملة الأيام الفاضلة، أيام العشر الأول من ذي الحجة، فلا تنشغل فيه باللذات عن الطاعات، وهو وما بعده من أيام التشريق مما يستحب فيه الإكثار من ذكر الله تعالى وطاعته، مع الانبساط والفرح والسرور، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا وإنَّ هذِهِ الأيامَ أيَّامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ للهِ عزَ وجلَّ» [رواه أبو داود].
حتى سمح الشرع للحيض أن يشهدن الخير ودعوة المسلمين في الساحات المعدة للصلوات خارج المساجد، ففي الصحيحين: "أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أمرَ الحُيَّضَ بالخروج يومَ العيد ليشهدن الخيرَ ودعوةَ المُسْلِمِينَ".
وقال سيدنا عليّ رضي الله عنه لما رأى زينة النبط (فلاحو الأرض) بالعراق يوم عيدهم: "ما هذا الذي أظهروه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا يوم عيد لهم، فقال: كل يوم لا يُعصي اللهُ فيه فهو عيد لنا". [قوت القلوب].
وكان صالح بن عبد الجليل إذا انصرف يوم العيد جمع عياله وجلس يبكي فيقول له إخوانه: هذا يوم سرور، فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني سيدي أن أعمل له عملا فعملته، فلا أدري أقبله مني أم لا؟ فالأولى بي طول الحزن! [التبصرة لابن الجوزي].
فعلينا أن نصفي قلوبنا، ونصلح ما بيننا؛ لأن رحمة الله تتنزل على المتراحمين المتحابين، ولنصل ما انقطع من أرحامنا، ولنكثر زيارة الأهل والأقارب والجيران، والمرضى، ونصلح تقصيرنا طيلة العام مع الأهل والأقارب.
وعَنْ سيدنا سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُمَا ذُنُوبُهُمَا، كَمَا يَتَحَاتُّ الْوَرَقُ الْيَابِسُ مِنَ الشَّجَرِ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، وَإِلَّا غُفِرَ لَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمَا مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». [رواه الطبراني بسند حسن].
أحكام وسلوكيات في العيد
أهم الأحكام الشرعية والسلوكيات الأخلاقية المتعلقة بيوم العيد.
احرص على صلاة فجر يوم العيد، وكذا صلاة العيد فهي سنة مؤكدة عند الجمهور، وواجبة عند بعض الفقهاء؛ لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واظب على فعلها.
البس أفضل ما عندك وكُن جميلًا يوم العيد ترى أنسامَ الجمال تسري في عروقِك وأنفاسِك، وعذوبة في منطقِك؛ وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يلبس أحسن ثيابه في العيدين. وقال الإمام مالك: "سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد".
يستحب في الأضحى ألا تأكل شيئًا قبل الصلاة، بخلاف عيد الفطر، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ" [رواه الترمذي].
يسن الذهاب إلى العيد من طريق، والرجوع من طريق آخر؛ لتكثر مواضع العبادة، وتشهد بها ملائكة الطريقين، وتتبرك بالطائع بقاعهما، أو لغير ذلك، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ" [رواه البخاري] ؛ أي: ذهب في طريق، ورجع في أخرى.
غُضَّ البصر عن المحرمات: كان عيسى عليه السلام يقول: "النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها خطيئة"، وقال بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت معه يوم عيد فقال: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا غض البصر".
قابل الناس بالبِشْرِ والفرح والمصافحة مع الدعاء، بقولك: "عيدكم مبارك، كل عام أنتم بخير، تقبل الله منا ومنكم"، ونحو ذلك، عن جبير بن نفير، أن أصحاب النبي، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كانوا إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعض: "تقبل الله منّا ومنك". [المحامليات بإسناد حسن]، وقد ذكر الإمام ابن حبان في «الثقات» عن علي بن ثابت قال: "سألت مالك بن أنس عن قول الناس يوم العيد: تقبَّل الله منا ومنك، فقال: ما زال ذلك الأمر عندنا".
يجوز خروج النساء والفتيات للمصلى مع الالتزام التام بالضوابط الشرعية في أماكن الصلاة؛ فعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» [رواه مسلم].
زيارة المقابر يوم العيد: زيارة المقابر مندوب إليها في جميع الأوقات؛ لأن الأمر بها جاء مطلقًا، فشمل ذلك جميع الأوقات، وتزيد أفضلية زيارتها في الأيام المباركة التي يلتمس فيها مزيد العطاء من الله تعالى، ومنها أيام العيدين؛ لما في ذلك من استشعار معاني الصلة والبر، والدعاء بالرحمة والمغفرة لمن توفي من الأهل والأقارب، ولْيُراعَ عدم تعمد إثارة الأحزان، وعدم التلفظ بألفاظ الجاهلية والاعتراض المنهي عنهما. وزيارة المقابر في الأعياد مما اعتاده المسلمون عبر القرون في العصور السابقة وهلم جرًّا إلى يوم الناس هذا، ولم ينكر عليهم ذلك أحد.
من أحكام الأضحية
١- شُرعت الأضحية في السنة الثانية من الهجرة النبوية، لحِكَم كثيرة منها: كونها طاعةً لله تعالى وشكرًا له سبحانه على نعمه التي لا تحصى. وكونها إحياءً لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام حين أمره الله عز وجل بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه السلام. وكونها وسيلةً للتوسعة على النفس وأهل البيت. وإكرامًا للجيران والأقارب والأصدقاء والتصدق على الفقراء.
قال تعالى مخاطبًا رسوله الكريم: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢]، وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: "ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، وَسَمَّى وَكَبَّرَ" [رواه مسلم].
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ رضي الله عنها: «قَوْمِي إِلَى أُضْحِيَّتِكَ فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا يُغْفَرُ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبُكَ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصَّةً أَوْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» [رواه الحاكم].
ورُوِيَ عَن سيدنا ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «مَا أُنفِقَتِ الْوَرق (الفضة) فِي شَيْء أحبَّ إِلَى الله من نحرٍ يُنْحَر فِي يَوْم عيد». [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير].
وعَنْ سيدتنا عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» [رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه].
٢- أمر الله تعالى بالأكل من الأضحية، والتصدق منها على جهة الإجمال فقال سبحانه: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: ٢٨]، ويستحب تقسيمها ثلاثة أجزاء: «للفقراء– للإهداء – للمضحي»؛ حيث صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «وَيُطْعِمُ أَهْل بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَال بِالثُّلُثِ»؛ وهذا التقسيم فيه تعميم التكافل بحيث لا يحرم أحد من الأكل منها.
٣- يجب على الـمُضحِّي الالتزام بالذبح في الأماكن المعدة لذلك، لما فيه من رعاية للمصلحة؛ فلا تترك مخلفات الذبح في الشوارع وتتسبب في إيذاء الناس ونشر الأوبئة والأمراض، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». ولا يصح تلويث البدن والثياب والممتلكات بدماء الأضاحي؛ لأن النظافة والطهارة سلوك ديني وحضاري.
فعن سعد بن أبي وقاص عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ» [رواه الترمذي].
وعن أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «تَنَظَّفُوا بِكُلِّ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ بَنَى الإِسْلامَ عَلَى النَّظَافَةِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلا كُلُّ نَظِيفٍ» [رواه الرافعي في "التدوين في أخبار قزوين"].
٥- يجوز شرعا التضحية بالأضحية التي بلغت السن الآتية:
من الضأن (الخِراف): ما أتم ستة أشهر، ولا يجزئ أقل من ذلك.
ومن الماعز: ما أتم عامًا هجريًا، ولا يجزئ أقل من ذلك.
ومن البقر والجاموس: ما بلغ سنتين هجريتين، أو بلغ وزنه ٣٥٠ كجم
ومن الجِمال: ما بلغ خمس سنين هجرية، أو بلغ وزنه ٣٥٠ كجم.
اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام، وزيارة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، واكتب لنا أجر الحاج هذا العام، وتقبل أعمالنا واقبلنا بفضلك يا كريم، وأنزل السكينة والطمأنينة على بيوتنا وأهلينا وبلادنا، واحفظنا بحفظك، واسترنا بسترك الجميل إنك جواد كريم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض





