اتجاه
ربما كانت أزمة سد النهضة الإثيوبى، واحدة من مقتضيات الصحوة المصرية، نحو دور فاعل واستراتيجى، يعيد ما كانت عليه العلاقات المصرية، مع الدول الأفريقية، فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر ــ بداية الخمسينات ــ حين لعبت مصر دوراً محورياً، فى دعم حركات التحرر الوطنى والاستقلال، إلى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، فى عام 1963، التى هى الآن «الاتحاد الأفريقى»، ضمن واقع الحضور والنفوذ، الذى جعل من «القاهرة»، واجهة لقيادة حركات التحرر ومناهضة الاستعمار، وأيضاً مواجهة أى تمدد عدائى ــ إسرائيل ــ فى القارة، وهى الحالة التى تُستنسخها التحركات المصرية حالياً، فى دول القرن الأفريقى بصفة خاصة، وأفريقيا»القارة» بصفة عامة.
< ما إن تنبهت السياسة المصرية، إلى تراجع الاهتمام بالملف الأفريقى، فترات التسعينات وبداية الألفية، بسبب التحولات السياسية والاقتصادية، التى أعقبت وفاة «عبدالناصر»، ما فتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية، لتعزيز نفوذها، وحتى أثيوبيا التى تصورت، أنها تعيد تشكيل موازين القوى فى منطقة النيل، عبر مشروع»سد النهضة»، الأمر الذى وضع»القاهرة» على مسارات عدة، لإعادة ترتيب العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، فى مواجهة ما سعت إليه «تل أبيب» وحليفتها»أديس أبابا»، لملئ فراغ الغياب المصرى، لكن مصر كانت أسرع تحركاً وقوة، نحو تطويق مؤامرة الضغوط المعادية، فى ملف مياه النيل، ومسألة النفوذ فى البحر الأحمر والقرن الأفريقى.
< كانت «القاهرة» بعيدة النظر، عندما استبقت مطامع «تل أبيب» فى أرض الصومال، وأطلقت مع الدولة الفيدرالية، اتفاقات عسكرية وأمنية ودعم اقتصادى، فى عام 2024، قادرة على إسقاط الاعتراف الإسرائيلى، باستقلال «صومالى لاند»، ضمن خطة أوسع، تتيح لحليفها الإثيوبى، ممراً على البحر الأحمر، مع تسهيل هجرة الفلسطينيين من غزة، من ناحية، وضمان قوة ضغط على مصر من ناحية ثانية، غير أن الفهم المصرى لمقتضيات الأمن القومى، وامتلاك عناصر القوة والنفوذ، لن يسمح لمثل ترهات الحليفين، بأى فرص التنفيذ على الأرض، فى ظل التوجه نحو التنسيق العسكرى والأمنى، وفى المجالات الاقتصادية والتنموية، مع الدول الأفريقية.
< وما جرى مع اتفاقات وتنسيقات المواقف مع إريتريا كذلك، ومن قبل مع جيبوتى، إنما هو ــ من بين أمور أخرى ــ تحركات استراتيجية، ضمن مساعى «القاهرة»، توطيد علاقاتها مع دول القرن الأفريقى، وتأمين المصالح الحيوية فى البحر الأحمر، فى إطار تفعيل، مجلس الدول العربية والأفريقية، المشاطئة للبحر الأحمر، بهدف ضمان الإدارة الحصرية للممر المائى، من دون تدخل أطراف إقليمية أو دولية، وجودها لا يخدم أمن واستقرار المنطقة، والمقصود هنا، كل من إسرائيل وأثيوبيا، واستبعادهما لا يعتمد فقط على القوة التقليدية، بقدر ما يتطلب استراتيجية شاملة، أساسها التنمية وتكامل المصالح المشتركة مع شعوب أفريقيا، وهو ما عملت عليه مصر، قبل أكثر من 10 سنوات.
< فى ذاكرة التاريخ، أن قوة مصر تتعاظم، إذا ما ارتبطت بـ«عُمق» بالقارة الأفريقية، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وفى ظل التحديات الراهنة، يكون الجانب العسكرى، من متطلبات الأمن وبناء التحالفات، وهى الأسس التى يتوجب على»القاهرة» تأكيدها، شرطاً لعودة الدور المصرى، واحداً من أهم مفاتيح حماية الأمن القومى، فى ضوء التحديات المتعلقة بالحدود والمياه والنفوذ الإقليمى، على أن يتواصل هذا الدور، من خلال سياسة نشطة ومتوازنة، تستعيد بها مصر ترسيخ مكانتها، دولة أفريقية كبرى، لديها أهداف عظمى، نحو تعزيز نفوذها السياسى والأمنى، وحماية الأمن المائى فى نهر النيل، وتسريع الشراكات الاقتصادية والتجارة البينية.. وبالتالى، حماية الاستقرار فى الإقليم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض