فى عالم تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية لم يعد دور الدولة وحدها كافياً لتحقيق التنمية بل أصبحت قوة المجتمعات تقاس بقدرة المواطنين على المشاركة الفعالة فى بناء أوطانهم ومن أبرز التجارب الملهمة فى هذا المجال تجربة دولة رواندا التى استطاعت بعد أحداث الإبادة الجماعية عام 1994 أن تتحول إلى نموذج ناجح فى إعادة بناء الإنسان والدولة معاً عبر ترسيخ ثقافة العمل الجماعى والمسئولية المجتمعية.
ومن أهم أسرار هذا النجاح تجربة (أوموجاندا - Umuganda) وهى كلمة تعنى العمل الجماعى من أجل المصلحة العامة حيث يُخصص السبت الأخير من كل شهر ليشارك فيه الجميع دون استثناء من رئيس الدولة إلى المواطن البسيط فى أعمال تخدم المجتمع مثل تنظيف الشوارع وزراعة الأشجار وصيانة المدارس وتحسين البيئة ومساعدة الأسر الأكثر احتياجاً. ولم تكن الفكرة مجرد نشاط رمزى بل تحولت إلى ثقافة وطنية عززت قيم الانتماء والعمل الجماعى والمسؤولية المشتركة حتى أصبحت رواندا من أكثر الدول الأفريقية تنظيماً ونظافة واستقراراً.
ومن هنا تبرز أهمية إطلاق مشروع مصرى مشابه يحمل اسم ( يوم الأيادى المصرية ) ليكون يوماً وطنياً شهرياً للعمل المجتمعى والخدمة العامة يشارك فيه المواطنون بصورة منظمة ومستدامة بهدف إعادة إحياء روح المشاركة والانتماء داخل المجتمع المصرى.
وقد تم اختيار اسم «الأيادى المصرية» لأنه يعبر عن قيمة العمل الحقيقى ويؤكد أن بناء الوطن يتم بالأيدى المتعاونة بعيداً عن الشعارات والانقسامات كما أنه اسم بسيط يحمل روحاً وطنية جامعة قادرة على الوصول إلى جميع فئات المجتمع.
وتملك مصر كل المقومات التى تؤهلها لنجاح مثل هذا المشروع فهى تمتلك شعباً ضخماً ذا طاقات كبيرة وتاريخاً طويلاً من التكافل والعمل الأهلى إضافة إلى الجامعات ومراكز الشباب والنقابات والمؤسسات الثقافية والدينية والشركات الوطنية ورجال الأعمال القادرين على دعم المبادرات المجتمعية فضلاً عن جيل من الشباب يبحث عن دور إيجابى يشارك من خلاله فى خدمة وطنه.
وتقوم فكرة «يوم الأيادى المصرية» على أن تبدأ المبادرة من المجتمع نفسه عبر مشاركة المثقفين والمفكرين ورجال الأعمال والشباب والجامعات والمدارس ومؤسسات المجتمع المدنى والإعلاميين ورواد العمل التطوعى بحيث تتحول تدريجياً إلى ثقافة عامة يتبناها المجتمع بأكمله.
ولا يقتصر الهدف من المشروع على أعمال النظافة أو التطوع التقليدى بل يمتد إلى إعادة بناء الوعى المجتمعى من خلال تعزيز الانتماء الوطنى وإحياء قيمة العمل الجماعى وتحسين البيئة والخدمات العامة وخلق شراكة حقيقية بين المجتمع والدولة وتوجيه طاقات الشباب نحو البناء والإنتاج ونشر ثقافة التطوع المستدام.
ولتحويل الفكرة إلى واقع عملى يمكن البدء بتشكيل لجنة وطنية تطوعية تضم شخصيات عامة ومتخصصين وشباباً متطوعين وإعلاميين ورجال أعمال تتولى وضع الرؤية العامة وآليات التنفيذ وإطلاق وثيقة رسمية للمبادرة تؤكد طابعها الوطنى والخدمى بعيداً عن أى توجه سياسى مع تحديد موعد ثابت لها وهو السبت الأخير من كل شهر حتى تصبح عادة مجتمعية مستقرة.
أما التنفيذ الميدانى فيبدأ بمناطق محددة كنماذج أولية مثل القرى والأحياء والجامعات ومراكز الشباب مع التركيز على أنشطة واضحة تشمل النظافة والتشجير وتجميل الشوارع وصيانة المدارس وتطوير الحدائق العامة وتنظيم حملات صحية وتعليمية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً ونشر الوعى البيئى.
ولضمان نجاح المبادرة واستمرارها يجب تحفيز المجتمع عبر إشراك الجامعات والمدارس من خلال اعتماد ساعات تطوع رسمية للطلاب وتنظيم مسابقات وتكريم المشاركين المتميزين إلى جانب مساهمة رجال الأعمال والشركات فى التمويل وتوفير المعدات ودعم الحملات المجتمعية بينما يلعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى دوراً مهماً فى نشر قصص النجاح وتحفيز الناس على المشاركة.
ورغم وجود بعض التحديات مثل ضعف الحماس فى البداية أو التخوف من الطابع السياسى إلا أن هذه العقبات يمكن تجاوزها من خلال تحقيق نتائج ملموسة والتنظيم الجيد والتأكيد المستمر على أن المشروع تنموى وخدمى يخدم الوطن والمجتمع فقط.
إن «يوم الأيادى المصرية» ليس مجرد يوم للتطوع بل مشروع وطنى لإعادة بناء العلاقة بين المواطن ووطنه وإحياء روح التعاون والمسؤولية المشتركة لأن الأوطان لا تبنيها الحكومات وحدها بل تبنيها الشعوب التى تؤمن بأن لكل يدٍ دوراً فى صناعة المستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض