رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

التخطيط والابتعاد عن العشوائية، من المبادئ الرئيسة فى الجمهورية الجديدة. الفارق ما بين الدلتا الجديدة والدلتا القديمة ليس الزمن فقط، لكن نمط التخطيط وكفاءة الإدارة. الدلتا القديمة نتيجة للعشوائية وسوء التخطيط والتوسع الأفقى تحولت إلى «مسخ» مشوه، لا هى بريف، ولا هى مدينة حضرية بالمعنى المتعارف عليه للمدن. امتد البناء الأفقى على حساب الأرض الزراعية، وتداخلت الكتل السكنية مع الحقول والورش والمخازن بصورة أضعفت جودة الحياة، وأفقدت الريف المصرى هويته العمرانية والإنتاجية. وطوق النجاة كان المبادرة الرئاسية حياة كريمة.

مشروع الدلتا الجديدة، إنجاز ضخم بمقاييس الإنجاز، وكالعادة حديث الأرقام لا يكذب ولا يتجمل، بل يصف الواقع؛ المساحة المستهدفة للمشروع ما بين 2.2 إلى 2.5 مليون فدان. مشروع يضيف نحو 15% مساحة زراعية جديدة لمصر. مشروع يشتمل على محطة معالجة تعد الأكبر عالميًا بطاقة تصل إلى 7.5 مليون متر مكعب يوميًا. مشروع يوفر بالفعل آلاف الوظائف المباشرة ومئات الآلاف غير المباشرة. مشروع استراتيجى يرتبط مباشرة بقضايا الأمن القومى الاقتصادى والغذائى. يساهم فى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء والكفاية الغذائية، وتقليل الاعتماد على الخارج، وخفض فاتورة استيراد السلع والمحاصيل الزراعية والغذائية التى تستنزف مليارات الدولارات سنويًا.

وفى الوقت نفسه، يمثل المشروع نموذجًا للمشروعات كثيفة العمالة، عالية التشغيل، سواء فى مراحل الاستصلاح والبنية التحتية، أو فى الزراعة والتصنيع الزراعى والنقل والخدمات اللوجستية المرتبطة به. فالمشروع لا ينتج غذاءً فقط، بل يخلق فرص عمل، ويعيد توزيع الكثافة السكانية، ويفتح مجالات جديدة للاستثمار والإنتاج خارج الوادى الضيق الذى ضاق بنا وعلينا. والدلتا الجديدة ليست بدعة مصرية، أو مشروع لإهدار الموارد كما يحاول البعض أن يشوه، العكس صحيح تماما، والدليل هو التجارب الدولية الرائدة فى هذا السياق؛ وأمامك الشبكة العنكبوتية عزيزى القارئ وأدواتها المتعددة للذكاء الاصطناعى، ابحث وستجد أن هناك العديد من التجارب الدولية التى تشبه نموذج «الدلتا الجديدة» من حيث التوسع الزراعى المخطط، واستصلاح الأراضى، وبناء مجتمعات إنتاجية جديدة خارج الكتل السكانية التقليدية. والقاسم المشترك بينها جميعًا هو: استخدام التخطيط والتكنولوجيا والبنية التحتية لتحويل مناطق هامشية أو صحراوية إلى مراكز إنتاج وتنمية. هولندا من أشهر النماذج العالمية فى إعادة تشكيل الجغرافيا لصالح الزراعة والتنمية. من خلال مشروع يسمى «البولدرز» نجحت هولندا فى استصلاح مساحات واسعة من البحر وتحويلها إلى أراضٍ زراعية ومدن مخططة، رغم أن جزءًا كبيرًا من أراضيها يقع تحت مستوى سطح البحر. واليوم أصبحت هولندا من أكبر مصدرى المنتجات الزراعية عالميًا رغم محدودية مساحتها. والصين عملاق التنمية فى العصر الحديث، اعتمدت فى نموذجها للتنمية على إنشاء أقاليم ومدن ومناطق إنتاج جديدة لتخفيف الضغط عن المناطق التقليدية المكتظة. والتجربة الصينية أثبتت أن التنمية لا تعنى فقط زيادة الإنتاج، بل إعادة توزيع السكان والاقتصاد جغرافيًا.

إذن هو مشروع يجب أن يفخر به كل مصري؛ لأنه نموذج للتنمية المخططة مرتفعة الجودة، والبعيدة كل البعد عن العشوائية وسوء التخطيط والإدارة. وقيمة الدلتا الجديدة لا تُقاس بعدد الأفدنة فقط، بل بقدرتها على تحويل الصحراء إلى مساحة إنتاج، وتحويل الإنفاق على البنية التحتية إلى عائد اقتصادى وتنموى طويل الأجل. نحن أمام نموذج تنموى مختلف؛ نموذج يسعى لبناء عمران منظم واقتصاد إنتاجى مستدام، بدلًا من إعادة إنتاج العشوائية التى شوهت الدلتا التاريخية عبر عقود طويلة. ومجتمعات مخططة تعنى مجتمعات متحضرة مستنيرة.