إن عودة الحرب بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبقى مرتبطة بشكل أساسي بحجم التنازلات التي يمكن أن تقدمها إيران، فالمشهد لا يُدار فقط بالتصريحات، بل بمنطق المصالح والقدرة على فرض الشروط.خاصة بعد الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية
لذلك الحرب على إيران ستبقى احتمالًا قائمًا ما دامت طهران لا تقدّم تنازلًا حقيقيًا، وما دامت تعتمد نمط المفاوضات الطويلة واللا نهائية، وهي سياسة أتقنها الفرس الإيرانيون عبر الزمن ولا تتوائم مع النمط الحالي مع الولايات المتحدة الأمريكية والنهج الترامبي
إن أي حرب قادمة ستكون مدمّرة وعنيفة، وقد تنهي إيران كقوة جغرافية وسياسية، وتفتح الباب أمام الهيمنة على معابرها، بما فيها مضيق هرمز، وعلى ثرواتها، وفي مقدمتها النفط. إيران قد تتحول إلى نموذج عراقي ثانٍ، لكن بحجم أكبر وتعقيد أخطر.
أما عن السلاح الممكن استخدامه، فلا أستبعد استخدام أسلحة تكتيكية نووية إذا تطلّب مسار الحرب ذلك. نظريًا، يمكن الحديث عن استخدام نووي “محدود” أو ما يُعرف بالضربة النووية التكتيكية، لكن الخطر الأكبر ليس في الضربة الأولى فقط، بل في تبعاتها .
فبالنسبة لإسرائيل، لا نهاية للحرب ما دامت لم تحقق أهدافها، وهذا لا يعني بالضرورة استمرارها بالشكل العسكري الحالي. فنهجها يقوم على خلق الفوضى، واستنزاف الخصم، وتفتيته تدريجيًا، وصولًا إلى مرحلة الانهيار. وفي هذا السياق، تصبح النهاية المفتوحة القابلة لجميع الاحتمالات جزءًا من الاستراتيجية، لا مجرد نتيجة مؤجلة
لذلك عملت أمريكا ومن ورائها إسرائيل على استهداف بنية النظام الإيراني ومؤسساته ومراكز قوته، بما يضعف قدرته على الاستمرار. ويمكن أن توقف هجماتها في أي لحظة، ثم تعود لاستئنافها وفق متطلبات المرحلة، أو عند توفر هدف محدد سواء كان اغتيالًا أو قصف موقع لم يُستهدف سابقًا بما يتماشى مع رؤيتها وتقديرها للموقف
هدف إسرائيل في هذه المواجهة يبدو واضحًا، وهو السعي لأن تكون القوة الإقليمية الوحيدة في الشرق الأوسط والعالم العربي، من خلال تفكيك النظام الإيراني، والعمل على إيجاد بديل أكثر انسجامًا مع رؤيتها، إضافة إلى إنهاء مشاريع التوسع الإيراني في المنطقة، وهو ما تعتبره شرطًا أساسيًا لإعادة تشكيل موازين القوى.
وترى إسرائيل أن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتم دون إضعاف البنية الإقليمية المرتبطة بإيران، وتقليص نفوذها في ساحات متعددة، بما يؤدي في النهاية إلى إعادة رسم المشهد الإقليمي وفق معادلات جديدة.
أما الولايات المتحدة، وتحديدًا مع عقلية ترامب فتسعى إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على موارد الطاقة، وثروات إيران، وأهمية مضيق هرمز كممر حيوي للتجارة العالمية، وهو ما يجعل البعد الاقتصادي حاضرًا بقوة في حساباتها.وفي حال لم تتحقق هذه الأهداف عبر المسار السياسي أو الضغوط الاقتصادية، فإن احتمالات العودة للحرب تبقى قائمة، فنموذج غزة ولبنان ليس بعيدا عن إيران.
أما إيران، فقد تراجعت مكانتها إقليميًا ودوليًا بشكل ملحوظ. وإذا نجحت في الحفاظ على تماسكها الداخلي، فسيُعد ذلك إنجازًا بحد ذاته. لكن معابرها ونفوذها الإقليمي والدولي سيبقيان عرضة لإعادة التشكيل، في ظل سعي أمريكي إسرائيلي لفرض الهيمنة على مفاصل القوة في المنطقة، فالخصم إذا ما وصل إلى مرحلة السقوط، فإنه يحتاج إلى سنوات، وربما عقود، للنهوض إن استطاع ذلك أصلًا خاصة في ظل محاولات استنزافه داخليًا، وتفعيل معارضاته، والهيمنة على موارده الاقتصادية وثرواته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض