رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

مشكلة الوسط الأدبي فى مصر اليوم ، أن الكاتب أصبح يسعى خلف مكاسبه الشخصية ومصالحه المادية مثل منح التفرغ أو الترشيح للجوائز ، أو الرحلات الخارجية ، أو المناصب في المؤسسات الثقافية، مما حول الكثير من المبدعين إلى موظفين مطيعين يخشون فوات الفرص .فيبدأ الكاتب فى حذف ما قد يزعج من بأيديهم مفاتيح السعادة  حتى يضمن استمرار دعوته للمحافل والندوات والظهور الإعلامي. وهذا يجعل الكاتب يفقد جوهره ليتحول إلى مجرد "مَنظر" يوحي بأنه أديب، بينما هو من الداخل فارغ من أي قيمة أو موقف حقيقي. والأدب بلا صدق هو مجرد رص كلمات، والكاتب بلا موقف مثل وعاء بلا طعام. فقيمة الكاتب تأتي من الشارع ، وليس من صورة في صدر جريدة أو درع تكريم بلا قيمة.

غالباً ما تكون البداية بجائزة هنا أو منحة هناك، ومع كل مكسب مادي، يجد الكاتب نفسه مضطراً لتقديم تنازل صغير. ثم يكبر التنازل يوماً بعد يوم ، فيتم استبدال حالة الإبداع الصادق والفكر الحقيقي بحالة من الخوف على المكتسبات ، فمن تعود على السفر للفنادق الفاخرة باسم الثقافة، يصعب عليه أن يعود للجلوس على رصيف البسطاء ليكتب عن أوجاعهم.

وجوهر الكتابة لا يكمن في ترتيب الألفاظ أو تنميق العبارات، بل باللحظة يدرك فيها الكاتب أن الحقيقة ليست مجرد خيار أخلاقي ، بل هي مبرر وجوده الأول وبدونها يفقد القلم شرعيته ويتحول النص إلى جسد بلا روح، فالكلمة أمانة، ومسؤولية الكاتب تجاه قارئه وتجاه التاريخ تفرض عليه أن يكون مرآة صادقة للواقع ولحياة الناس.

وحين يتخلى الكاتب عن رسالته الحقيقية خوفاً من خسارة مكتَسبٍ ما أو حفاظاً على أمانِهِ الشخصي، فإنه في الواقع يوقع صك اعتزاله الفني، لأن القارئ يمتلك حاسة فطرية تمكنه من التمييز بين النص الذي خرج من وجدان صادق والنص الذي صيغ بدوافع نفعية أو صيغ يخوف، والتاريخ لا يحفظ أسماء الكتاب الكذابين، بل يحفظ أسماء أولئك الذين انحازوا للإنسان وقضاياه الجوهرية.

إن الرسالة الحقيقية للشاعر أو للأديب تتجلى في قدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، وفي شجاعته على اقتحام المناطق المسكوت عنها، فالكتابة في جوهرها هي عملية تنوير وكشف لا تزوير وطمس  ، فإذا غاب سعى الكاتب إلى الحقيقة صار مجرد صانع للوهم، ومن هنا تنبع قيمة الأدب العظيم الذي لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يغوص في أعماق النفس والمجتمع ليعيد صياغة الوعي.

عاش "فان جوخ" فقيراً معدماً ومات وهو لا يملك ثمن طعامه، لأنه رفض أن يغير خطاً واحداً في فنه من أجل إرضاء تجار اللوحات، وهذا ما جعل فنه خالداً. ودخل "عباس العقاد" السجن بسبب كلمة حق دافع فيها عن الدستور ضد رغبة الملك،. وقضى الشاعر التركي ناظم حكمت سنوات طويلة من عمره في السجون لأن قصائده كانت ترفض الظلم وتنحاز للفقراء.

ومع ذلك فليس مطلوباً منك أيها الكاتب أن تضحى بحياتك أو حريتك ،  المطلوب فقط ألا تؤجر قلمك لمن يدفع الثمن ، فالكاتب الذي يوافق على بيع نفسه لا يضر نفسه فقط، بل يرتكب جريمة في حق المجتمع  وهو يزيف الوعي ويضلل الناس الذين وثقوا به. والحقيقة أن الكثيرين من الكتاب صاروا يتناسون جوهر رسالتهم ليحافظوا على فرصهم في نشر أعمالهم والانضمام  إلى لجان التحكيم التي تمنحهم الوجاهة أو الفوز بمقاعد في مجالس الإدارات.مما يجعل  الكاتب بلا طعم ولا لون ولا رائحة بعد أن  استبدل قضية الناس بمصلحته الشخصية، إن الفرق بين الكاتب المنظر والكاتب الجوهر هو الفرق بين الزهرة البلاستيكية والزهرة الطبيعية، الأولى مهما عاشت فهي بلا روح ولا رائحة ، والثانية ربما ذبلت سريعاً لكنها تترك وراءها أثراً يملأ الدنيا عطراً.

والاعتقاد بأن المنصب أو المال يمكن أن يصنعا خلوداً هو مجرد وهم، فالتاريخ لا يحفظ أسماء أصحاب المناصب أو الأموال أو الظهور الإعلامي، بل أسماء الذين كتبوا بدم القلب. والهوية الحقيقية للكاتب تكمن في قدرته على أن يكون رافضاً لكل ما يسيء للإنسان ولقيم الحق والعدل، ومدافعاً عن الحقوق حتى لو كان الثمن هو التهميش أو الحرمان من النشر والتلميع.

أيها الأديب شاباً كنت أو شيخاً ، الاختيار لك ، فإما أن تكون مجرد منظر خاوياً من الجوهر ، أو جوهراً حياً ونابضاً بالصدق والجمال. الكاتب الذي يحترم قلمه يعرف أن "سفرية" بائسة أو منصباً زائلاً لا يستحق أن يضحي من أجله بتاريخه وصدقه. فالصدق ليس مجرد خصلة حسنة، بل هو ضرورة فنية وأخلاقية  وبدونه لا يوجد أدب، وبدونه لا يوجد كاتب.

أقول لك هذا وعيني على  العصر الأموي، عندما تحول الهجاء والمديح إلى وسيلة أكل عيش،  كان جرير والأخطل يتسابقان للفوز بالعطايا. الأخطل ، كان يفتخر بلقب شاعر بني أمية، وأصبح لساناً يدافع عن توجهاتهم مقابل نفوذ واسع وحماية مطلقة، متخلياً عن دور الشاعر كصوت للناس وللحقيقة ، بينما برز  الحسن البصري كمثال للصدق. حيث وقف يصدع بالحق فى وجه الحجاج بن يوسف الثقفي ، فبقي ذكره خالداً كإمام للزهد وكلمة الحق، وضاعت أسماء المنافقين في طيات النسيان. ورفض الإمام مالك أن يداهن وأفتى بحديث : "ليس على مستكره طلاق"  ، بمعنى أن بيعة المكره لا تصح ، فتعرض للضرب والتعذيب حتى خُلعت كتفه، لكنه لم يغير كلمته ورفض الذهب وزهد فى منصب قاضي القضاة. وكان الشاعر دعبل الخزاعي يقول: "أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، ولست أجد أحداً يصلبني عليها. وعاش حياته مطارداً لأنه رفض أن يمدح الخلفاء العباسيين من أجل المال، وسخر شعره لنقد الظلم والفساد. فمات فقيراً غريباً، لكنه مات وهو يملك نفسه، لم يبع كيانه لأحد مهما كان ، ولهذا خلده التاريخ.

والتاريخ لا يرحم ، فمن اختار  منافع الدنيا، زال مثلما تزول  المنافع ومثلما تزول الدنيا ، وذاب مع الزمن كما يذوب الطلاء الرخيص، أما من تمسك بالجوهر والصدق، فقد تحولت كلماته إلى دستور للأجيال، لأنه عرف أن هوية الكاتب الحقيقية هي انحيازه للعدل والحرية.