نبض الكلمات
فى الدول التى تحترم شعوبها، تكون الشفافية هى القاعدة، والمصارحة واجبا، والمحاسبة حقا أصيلًا للمواطن، أما حين تتحول الأسئلة إلى مناطق محظورة، والحقائق إلى أسرار، والصمت إلى سياسة رسمية، فاعلم أن هناك أزمة أكبر من مجرد أزمات اقتصادية أو اجتماعية.. أزمة ثقة تتسع كل يوم بين الدولة والناس.. فهناك ملفات كاملة يعيش حولها المواطن فى دوامة من الغموض، قرارات مصيرية تصدر بلا تفسير كافٍ، وأزمات تتفاقم دون مصارحة حقيقية، بينما يظل المواطن يبحث عن إجابة فلا يجد سوى بيانات عقيمه، أو صمت طويل، أو لغة رسمية باردة لا تشبه حجم المعاناة فى الشارع.
ففى مناطق «الصمت الرسمى» لا أحد يشرح لماذا ترتفع الأسعار بهذا الجنون، وانفلات غير طبيعى يتخلف من مكان لآخر، فلا يوجد سياسة موحدة بالنسبة لهذا الارتفاع ولا حتى سببه، وانعدام الرقابة حتى وصلنا إلى الفوضى، ولا كيف تتراكم الديون، ولا لماذا تتراجع الخدمات رغم الأعباء التى يتحملها المواطن يومًا بعد يوم، لا أحد يجيب بوضوح، إلى أين نسير؟ ومن يدفع الثمن؟ ومن يحاسب المقصرين؟.. والأخطر أن غياب المعلومات يفتح الباب للشائعات، ويحول مواقع التواصل إلى المصدر الوحيد لفهم ما يحدث، وعندما يغيب الصوت الرسمى المقنع، تنتصر الفوضى، ويصبح المواطن فريسة للقلق والغضب وفقدان الثقة.. فالصمت لم يعد رفاهية سياسية، بل تحول إلى عبء ثقيل على الدولة نفسها، فالمواطن الذى يشعر أنه مستبعد من الحقيقة، يبدأ تدريجيا فى فقدان الإيمان بكل شىء، الوعود، والخطط، وحتى لغة الإنجازات المتكررة التى لا يلمس أثرها فى حياته اليومية، والدول القوية لا تخاف من الأسئلة، ولا تعتبر النقد تهديدًا، بل فرصة للتصحيح، أما دفن الملفات الحساسة تحت ستار الصمت، فلن يلغى وجودها، بل سيزيد الاحتقان ويعمق الفجوة بين السلطة والشارع.
لقد أصبح من الضرورى أن تدرك المؤسسات الرسمية أن الناس لم تعد تطلب المعجزات، بل تطلب الحقيقة فقط، ولا غير الحقيقة فالمصارحة، مهما كانت قاسية، أقل خطرا من صمت يستهلك ما تبقى من الثقة.
وفى النهاية، تبقى الحقيقة المؤلمة أن أخطر الأزمات ليست تلك التى تُناقش علنا، بل تلك التى تُدار داخل مناطق «الصمت الرسمى».
وتتعدد مناطق «الصمت الرسمى» فى الدول حين تصبح بعض الملفات أشبه بخطوط حمراء لا يُسمح بالاقتراب منها، رغم أنها تمس حياة الناس بشكل مباشر، وقلب وعقل المواطن البسيط، فهناك صمت يحيط بالأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وارتفاع الأسعار، وتآكل الدخول، واتساع رقعة الفقر، وكأن المواطن مطالب فقط بالتحمل دون أن يعرف الحقيقة كاملة.. وهناك صمت أكثر خطورة حول الديون، وبيع الأصول، وأولويات الإنفاق، والمشروعات التى تبتلع المليارات بينما تتراجع الخدمات الأساسية، صمت يجعل المواطن يرى النتائج فى حياته اليومية، لكنه لا يجد تفسيرا واضحا لما يحدث خلف الكواليس، كما تمتد مناطق الصمت إلى ملفات السياسة والحريات، وتراجع المشاركة العامة، وضعف الحياة الحزبية، وهجرة الشباب، واتساع فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات، ملفات تفضل السلطة أحيانا التعامل معها بالتجاهل بدلًا من المواجهة والمصارحة.
وفى أحيان كثيرة، يصبح الصمت الرسمى وسيلة للهروب من الأسئلة الصعبة، من يحاسب المسئول المقصر؟ ولماذا تتكرر الأزمات؟ وأين تذهب التضحيات التى يقدمها المواطن؟، ولماذا يشعر الناس أن الأعباء تقع دائمًا على الطبقات نفسها؟، لكن أخطر ما فى الصمت أنه لا يُخفى الأزمة بل يضاعفها، فحين تغيب الإجابات، تتكاثر الشائعات، ويتحول القلق إلى غضب، ويصبح المواطن أكثر إحساسا بالعزلة وفقدان الثقة، فالدول القوية لا تخشى المكاشفة، لأن الحقيقة مهما كانت قاسية تبقى أقل خطرًا من صمت طويل يفتح أبواب الشك ويغلق أبواب الأمل.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض