رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحضور المصري في إفريقيا.. كيف تحولت القاهرة إلى شريك تنموي فاعل؟

بوابة الوفد الإلكترونية

منذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة الدولة المصرية في يونيو 2014، شهدت السياسة الخارجية المصرية تحولًا لافتًا في طبيعة تعاملها مع القارة الإفريقية، بعد سنوات طويلة تراجع خلالها الحضور المصري داخل دوائر العمل الإفريقي المشترك.

وأدركت القاهرة مبكرًا أن التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة، إلى جانب التحولات الاقتصادية والأمنية التي تشهدها القارة السمراء، تفرض ضرورة إعادة بناء العلاقات المصرية-الإفريقية على أسس أكثر عمقًا وشمولًا، لا تقتصر فقط على البعد السياسي التقليدي، بل تمتد إلى مجالات التنمية والاستثمار والأمن والتكامل الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، تبنّت مصر رؤية جديدة تجاه إفريقيا تقوم على اعتبار القارة امتدادًا طبيعيًا للأمن القومي المصري، وشريكًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التنمية والاستقرار الإقليمي. ولم يعد الحضور المصري في إفريقيا قائمًا على استدعاء الروابط التاريخية فقط، بل تحوّل إلى تحرك عملي ومكثف يعتمد على بناء الشراكات، وتعزيز المصالح المتبادلة، وتوسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي مع مختلف الدول الإفريقية.

وخلال السنوات الماضية، حرص الرئيس السيسي على إعادة إفريقيا إلى صدارة أولويات السياسة الخارجية المصرية، من خلال المشاركة المنتظمة في قمم الاتحاد الإفريقي، وتكثيف الزيارات الرئاسية إلى العواصم الإفريقية، إلى جانب استضافة القاهرة للعديد من القمم والمنتديات التي ناقشت قضايا السلم والأمن والتنمية المستدامة والبنية التحتية والتكامل الاقتصادي داخل القارة.

رؤية مصرية متكاملة

ولم يكن هذا التحرك مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي، بل عكس رؤية مصرية متكاملة تقوم على الربط بين الأمن والتنمية، باعتبار أن تحقيق الاستقرار في إفريقيا يرتبط بقدرة الدول الإفريقية على مواجهة التحديات الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وتحقيق التكامل الإقليمي، وخلق فرص العمل، ودعم الشباب والمرأة، فضلًا عن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية والأوبئة.

واعتمدت الرؤية المصرية تجاه إفريقيا على مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها التأكيد على الهوية الإفريقية لمصر، وتعزيز التواصل السياسي مع مختلف الأقاليم الإفريقية، ودعم مبدأ "الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية"، إلى جانب التركيز على بناء القدرات ونقل الخبرات باعتبارهما أساسًا لشراكة طويلة المدى، وليس مجرد تقديم مساعدات مؤقتة.

وعلى أرض الواقع، انعكس هذا التوجه في كثافة الحضور المصري داخل القارة، سواء عبر الزيارات المتبادلة أو من خلال التحرك النشط داخل المؤسسات والتجمعات الإفريقية، مثل الاتحاد الإفريقي والكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية. 

كما لعبت مصر دورًا مهمًا في دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، وطرحت مبادرات عدة لتعزيز التعاون الإقليمي وربط الدول الإفريقية بشبكات البنية التحتية والطاقة والنقل.

وشكّلت مشاركة الرئيس السيسي في قمة مالابو عام 2014 نقطة انطلاق مهمة لاستعادة الدور المصري داخل الاتحاد الإفريقي، خاصة أنها جاءت عقب استئناف نشاط مصر داخل الاتحاد بعد ثورة 30 يونيو. وحملت تلك المشاركة رسالة سياسية واضحة مفادها أن القاهرة عادت بقوة إلى فضائها الإفريقي، وأنها تسعى إلى بناء علاقة تقوم على التعاون والعمل المؤسسي المشترك.

وخلال رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي عام 2019، طرحت القاهرة أجندة متكاملة ركزت على تطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية، ومكافحة الإرهاب، وإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، إلى جانب إطلاق منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة، الذي أصبح منصة مهمة لمناقشة قضايا الأمن والتنمية في إفريقيا.

كما حرصت مصر على ربط العمل السياسي بالتعاون الاقتصادي والتنموي، حيث تبنت خلال قمة الكوميسا عام 2021 رؤية لتعزيز التكامل الصناعي والتجاري تحت شعار "صنع في الكوميسا"، مع الدعوة إلى إزالة العوائق الجمركية، ودعم سلاسل القيمة الإقليمية، والتحول الرقمي، بما يسهم في تحويل التكامل الإفريقي إلى واقع اقتصادي ملموس.

وعلى مستوى التحركات الثنائية، شهدت السنوات الماضية جولات رئاسية متعددة شملت عددًا كبيرًا من الدول الإفريقية، مثل السودان وإثيوبيا وتنزانيا ورواندا والجابون وتشاد وجنوب السودان وأنجولا وزامبيا وموزمبيق، حيث ركزت تلك الزيارات على تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والزراعة والأمن ومكافحة الإرهاب.

وفي المقابل، تحولت القاهرة إلى محطة رئيسية لاستقبال القادة والمسؤولين الأفارقة، سواء في زيارات ثنائية أو خلال القمم والمنتديات التي استضافتها مصر، وهو ما ساهم في تعزيز التشاور السياسي وتوسيع مجالات التعاون المشترك.

كما اتسعت مجالات التعاون المصري-الإفريقي لتشمل قطاعات متعددة، مثل التدريب وبناء القدرات، والتنسيق السياسي، والتعاون الأمني، والصحة، والزراعة، والري، والكهرباء، والبنية التحتية، إلى جانب الدور المهم الذي قامت به المؤسسات الدينية والثقافية المصرية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، في نشر خطاب الاعتدال وتعزيز التواصل الثقافي والمعرفي مع المجتمعات الإفريقية.

 تنفيذ برامج تدريبية

وفي الجانب التنموي، لعبت الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية دورًا محوريًا باعتبارها الذراع التنموية الرئيسية للدولة المصرية داخل القارة، من خلال تنفيذ برامج تدريبية، وإيفاد خبراء، وإطلاق قوافل طبية، وتقديم مساعدات إنسانية ولوجستية، فضلًا عن دعم الطلاب الأفارقة الدارسين في الجامعات المصرية.

كما نفذت مصر عددًا من المشروعات التنموية المباشرة في دول حوض النيل وعدد من الدول الإفريقية، شملت إنشاء محطات كهرباء بالطاقة الشمسية، ومراكز للتنبؤات المناخية، ووحدات صحية وغسيل كلوي، وحفر آبار مياه، وبرامج تدريب زراعي، إلى جانب التعاون مع مؤسسات دولية وإقليمية لدعم الأمن الغذائي والتنمية الزراعية ومواجهة آثار التغير المناخي.

وتكشف مجمل التحركات المصرية خلال السنوات الماضية عن استراتيجية متكاملة هدفت إلى استعادة الدور المصري في إفريقيا وتثبيت الحضور داخل القارة عبر ثلاثة مسارات رئيسية، تتمثل في تعزيز الحضور السياسي داخل المؤسسات الإفريقية، وتوسيع العلاقات الثنائية مع الدول الإفريقية، وتحويل التعاون إلى شراكات عملية قائمة على التنمية والمصالح المتبادلة.

وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها القارة السمراء، يبدو واضحًا أن الرؤية المصرية لم تعد تقتصر على فكرة "العودة إلى إفريقيا"، بل تجاوزتها إلى العمل على ترسيخ مكانة مصر كقوة إفريقية فاعلة وشريك أساسي في معادلات السياسة والاقتصاد والتنمية داخل القارة.