رسائل النبي ﷺ إلى ملوك عصره بعد صلح الحديبية
أرسل النبي ﷺ رسائل إلى ملوك عصره بعد صلح الحديبية، داعيًا للإسلام بأسلوب حكيم يعكس عالميّة الدعوة ورفقها، حيث عُنِيَ ﷺ عناية كبيرة بتبليغ الدعوة، وقد استعمل الرسول في سبيل تحقيق هذا الهدف الدعوة بالكلمة المقولة والكلمة المكتوبة والأسوة الحسنة.
الأسوة الحسنة في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم
كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه نموذجًا رائعًا لكل صفات الخير، ويقول القرآن الكريم {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ} [الأحزاب: ٢١] وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: «كَانَ خُلُقُه القُرْآن» [صحيح البخاري: باب الأخلاق].
وبمراجعة أحاديث الرسول ﷺ نجد فيها أسمى طريق للخلق الحسن في كل شيء، واهتم الرسول ﷺ بتربية الحكام والقضاة والولاة كما عني أعظم عناية بالتربية الاجتماعية [موسوعة التاريخ الإسلامي: أحمد شلبي، الجزء الأول].
عالمية الرسالة المحمدية
كانت رسائل الرسول ﷺ إلى الملوك والرؤساء تدوهم للإسلام تحقيقا لعالمية الإسلام كما جاء في قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: ١]، ثم توالت الآيات في السور المكية تؤكد عالمية الإسلام كقوله تعالى: {وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةࣰ لِّلنَّاسِ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا} [سبأ: ٢٨]، كما جاءت في معنى عالمية الإسلام آيات في سورة الأنبياء والأعراف وإبراهيم.
الرسائل النبوية كوسيلة دعوية
بناءً على هذه العالمية أرسل ﷺ رسائله إلى ملوك عصره وأمراء عهده، وتمتاز هذه الرسائل بالنقاط التالية:
ا- غض الرسول ﷺ الطرف تمامًا عن التوسعات الاستعمارية التي كان يقوم بها الروم والفرس ضد بعض المناطق العربية، وكتب صلوات الله وسلامه عليه لولاة هذه المناطق مباشرة، فكتب لوالي الروم على دمشق والمقوقس والي مصر، وكتب إلى باذان والي الفرس على اليمن، وتعتبر هذه الخطوة ذات مغزى عظيم في الدلالة على عظمة الدعوة.
٢- صيغت كتب رسول الله ﷺ بمنتهى الحكمة والبراعة، فالرسول فيها سمح يدعو ولا يهدد، يخاطب الملوك والرؤساء بألقابهم ويعترف بمكانتهم ويقرر أن سلطانهم في ظل الإسلام باقٍ لهم، وهو بذلك يؤكد أنه ليس طالب ملك، ثم هو يذكر أن هناك زكاة في أموال الأغنياء، ولكنه يؤكد أن الزكوات والصدقات لا تحل لمحمد ولا آل محمد، وإنما تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقرائهم، وهو بهذا يؤكد أنه ليس طالب مال.
٣- كان عليه الصلاة والسلام يخاطب كل ملك حسب ظروفه، فإن كان من أهل الكتاب أشار إلى ما بين الأديان السماوية من روابط، وإذا كان من غيرهم أشار إلى التزام البشرية بالعودة إلى الله وترك عبادة ما سواه.
٤- اختير المبعوثون بحيث يعرف كل منهم لغة من سيرسل إليه.
٥- امتدت فترة إرسال الرسل فيما بين الحديبية ووفاة الرسول ﷺ.
نماذج من الرسائل النبوية
كتاب الرسول ﷺ إلى هرقل ملك الروم: «من محمد بن عبد الله إلى هِرْقِل عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين». {قُلۡ یَٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةࣲ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَیۡءࣰا وَلَا یَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابࣰا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: ٦٤].
كتاب رسول الله ﷺ إلى كسرى فارس: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْمَجُوسِ».
كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس عظيم مصر: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» {قُلۡ یَٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةࣲ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَیۡءࣰا وَلَا یَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابࣰا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: ٦٤] .
وتقول الرواية: إن المقوقس لما قرأ الكتاب سأل حامله (حاطب بن أبي بلتعة): ما منع صاحبك إن كان نبيًا أن يدعو على من أخرجوه من بلده فيسلط الله عليهم السوء؟ فقال حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على أولئك الذين تآمروا عليه ليقتلوه فيسلط الله عليهم ما يستحقون؟ قال المقوقس: أنت حكيم جئت من عند حكيم.
كتاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي: «من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة: سلام عليك، إني أحمد الله إليك، الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي، والسلام على من اتبع الهدى».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض