"طقس الجديلة" لعايدة محجوب.. سرد يُنصت للصوت النسائي الغائب
تقدم الكاتبة عايدة محجوب عبر مجموعتها القصصية الجديدة "طقس الجديلة" تجربة سردية تنحاز إلى الهامش الإنساني، وتقترب من ذلك الجزء الصامت في الحكاية، حيث تتوارى أصوات النساء خلف الأعراف والتقاليد في المجتمعات البدوية، لتتحول الكتابة هنا من مجرد سرد للحكايات إلى فعل إنصات وكشف لما ظل مخبوءًا في الذاكرة.
من "الجديلة" تبدأ الحكاية.. لا من الحدث
لا تنطلق المجموعة من حدث درامي مباشر، بل من أثر إنساني رمزي يتمثل في جديلة شعر مقصوصة يعثر عليها "رحيل" – الشاب البدوي وخريج علم الآثار – داخل صندوق مدفون، في لحظة تبدو عابرة لكنها تفتح بابًا على تاريخ غير مكتوب من الألم والصمت النسائي.
وتتحول الجديلة داخل النص إلى رمز مركزي، لا بوصفها زينة أنثوية، بل باعتبارها علامة على حدث جلل؛ فقص المرأة لضفيرتها في المجتمع البدوي ليس فعلًا عاديًا، بل إشارة إلى فقد أو تمرد أو انكسار، ومن ثم تصبح كل ضفيرة مدخلًا إلى حكاية، وكل حكاية خيطًا في نسيج سردي متشابك.
نساء في مواجهة القهر الاجتماعي
تتوالى قصص المجموعة – الصادرة عن سلسلة روايات بمجموعة كلمات للنشر في الإمارات العربية المتحدة – لتكشف عوالم نسائية مثقلة بالوجع، حيث تواجه بطلاتها ختان الجسد، والزواج المبكر، والفقد، والاختيارات المفروضة، وغياب الأبناء، في نصوص لا تراهن على إثارة التعاطف بقدر ما تسعى إلى تفكيك بنية الألم الاجتماعي وإظهاره في صورته الإنسانية الخام.
"رحيل".. وسيط لا بطل
لا تقدم المجموعة بطلًا تقليديًا، بل تطرح شخصية "رحيل" كوسيط هشّ يدرك حدود دوره، فلا يتحدث باسم النساء ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يفسح المجال أمام أصوات مؤجلة، محاولًا قراءة ما دُفن في الأرض والذاكرة معًا.
ويمر هذا الكشف عبر وسيط آخر هو الأم، التي تمثل بوابة إلى عالم النساء وذاكرتهن الشفاهية، بما يمنح النص بُعدًا تراثيًا وإنسانيًا في آن.
"الحاجة مبروكة".. الجذر السردي الجامع
في خلفية هذا العالم، تبرز شخصية الحاجة مبروكة بوصفها محورًا تتجمع عنده الحكايات وتعود إليه الخيوط، فيما تشكل "الرُقية" التي ترددها لحظات الشدة رابطًا رمزيًا بين الألم والنجاة، وبين الموروث الشعبي وما تبقى منه في الوجدان الجمعي.
كتابة تعيد طرح أسئلة الحكي والصمت
لا تبدو "طقس الجديلة" مجرد مجموعة قصصية، بل مشروعًا أدبيًا يعيد مساءلة العلاقة بين الحكاية وصاحبها:
من يملك حق السرد؟
ومن يُفرض عليه الصمت؟
وكيف يمكن لذاكرة مثقلة بالخوف أن تتحول إلى نص دون أن تفقد هشاشتها وصدقها؟
وفي هذا السياق، تنجح المجموعة في تقديم كتابة لا تستعيد الحكايات بقدر ما تعيد الإنصات إليها، وكأنها تقول: "هذا ما تبقّى منهن في الذاكرة."
من هي عايدة محجوب؟
تُعد عايدة محجوب كاتبة وصحفية مصرية، درست الإعلام في جامعة القاهرة، كما درست الصحة النفسية والإرشاد الأسري في جامعة عين شمس.
وتمتلك خبرة مهنية تتجاوز 15 عامًا في مجالات الصحافة المكتوبة والإعداد الإذاعي، وتهتم في كتاباتها بقضايا المجتمع والهوامش المسكوت عنها، خاصة ما يرتبط بتجارب النساء والذاكرة الشعبية.
وتواصل محجوب عبر أعمالها السردية توظيف التراث الشعبي والذاكرة الجمعية في معالجة قضايا إنسانية معقدة، مع سعي واضح لخلق توازن بين التوثيق الصحفي والخيال الأدبي، بما يمنح صوتًا لمن لم تُتح لهم فرصة الحكي.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض