في يومها العالمي.. الصحافة العربية بين رصاص غزة وأنوار الرباط
بينما كان العالم يحيي اليوم العالمي لحرية الصحافة، انقسم المشهد العربي بين صورتين متناقضتين تلخصان مأساة المهنة وآمالها معاً: على جبهة غزة، واصل الرصاص الإسرائيلي حصد أرواح الصحفيين ليُكمل فصلاً دموياً هو الأكثر فتكاً في التاريخ، وفي العاصمة المغربية الرباط، دشنت رسمياً فعاليات "عاصمة الإعلام العربي لعام 2026" في محاولة لاستعادة روح الكلمة من قبضة الموت والرقمنة الجارفة.
غزة تتصدر "مقبرة الصحفيين"
حذر مسؤولون عرب ودوليون، بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف الثالث من مايو، من تصاعد المخاطر التي تواجه الصحفيين في مناطق النزاع. وكشفت لجنة حماية الصحفيين في تقريرها الصادر فبراير 2026 أن 129 صحفياً وعاملاً إعلامياً قتلوا خلال عام 2025، في أعلى حصيلة سنوية منذ بدء التوثيق، مشيرة إلى أن 86 منهم قُتلوا بنيران إسرائيلية، معظمهم في قطاع غزة. وهي أرقام تقاطعها معطيات الاتحاد الدولي للصحفيين الذي أحصى 99 ضحية منذ بداية 2025 حتى نوفمبر من العام نفسه، بتركّز كبير في مناطق النزاع.
أمام هذا النزيف، خرجت أصوات عربية شديدة اللهجة. فقد اعتبر السفير أحمد رشيد خطابي، الأمين العام المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال بجامعة الدول العربية، أن اليوم العالمي لحرية الصحافة يجب أن يكون "مناسبة لترسيخ بيئة إعلامية تعددية ومستقلة وموثوقة، قادرة على تنوير الرأي العام وحماية الحقوق والحريات ومواجهة خطاب الكراهية والتضليل"، داعياً إلى إدماج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية.
من جهته، حذر محمد بن أحمد اليماحي رئيس البرلمان العربي، من الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في مناطق الحروب، خصوصاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واصفاً استهدافهم بأنه "انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني وجرائم تستدعي المحاسبة"، ومؤكداً أن الصحفيين "يمثلون خط الدفاع الأول عن الحقيقة".
من دماء الحرب إلى "مدينة الأنوار"
وعلى بعد آلاف الكيلومترات من دخان غزة، أضاءت الرباط شمعة أخرى. ففي المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، دشنت المملكة المغربية، بالتعاون مع جامعة الدول العربية والملتقى الإعلامي العربي، فعاليات "الرباط عاصمة للإعلام العربي لعام 2026"، في ندوة فكرية رفيعة المستوى حملت عنواناً دالاً: "تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في الزمن الرقمي"، بحضور حشد من السفراء وصناع القرار الإعلامي ونخبة من الأكاديميين العرب.
وأعرب ماضي الخميس، الأمين العام للملتقى الإعلامي العربي، عن اعتزازه بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة المغربية، مشيراً إلى أن مبادرة "الرباط عاصمة للإعلام العربي" انطلقت من أرض الكويت ليعتمدها مجلس وزراء الإعلام العرب، "تأكيداً على العطاء المشرق للمدرسة الصحفية المغربية". وفي كلمة وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، التي ألقاها بالإنابة عنه عبد العزيز البوجدايني الكاتب العام لقطاع التواصل، وصف اختيار الرباط بأنه "شهادة تقدير دولية" للمكانة الحضارية للعاصمة المغربية، التي تستعد أيضاً لحمل لقب "العاصمة العالمية للكتاب" في العام ذاته، تتويجاً لرؤية الملك محمد السادس في تعزيز إشعاع المغرب الثقافي والإعلامي.
لكن الاحتفاء بالرباط لم يخل من نبرة تحذيرية، بدت وكأنها توأم لتحذيرات المسؤولين العرب من مصير الصحفيين في مناطق الحرب. فقد حذّر بنسعيد في كلمته من "تغول" الذكاء الاصطناعي وضغوط السرعة التي باتت تهدد دقة المحتوى ومصداقيته، مؤكداً أن التحدي الحقيقي اليوم هو تحدٍّ "إنساني وأخلاقي" يتمثل في تسخير التكنولوجيا لخدمة الكلمة الصادقة والعميقة، لا لتجويفها أو استبدالها.
وشهدت الندوة نقاشات ثرية شارك فيها طيف واسع من الخبراء، بينهم الدكتورة رشا علام من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والدكتور عبد الوهاب الرامي من معهد الإعلام بالرباط، والكاتب الصحفي طلحة جبريل، والإعلامي ياسين عدنان، والروائية هيا صالح، والكاتب الصحفي سيد محمد .
وأجمع المشاركون على ضرورة الحفاظ على جوهر الإبداع البشري في مواجهة الاستهلاك السريع للمحتوى الرقمي، في رسالة تلتقي في عمقها مع الدعوات العربية لحماية الصحفيين من الاستهداف الجسدي: فالحرب على الحقيقة تخاض اليوم بالرصاص والدم في غزة، وبالخوارزميات والتزييف العميق في الفضاء الرقمي، والضحايا في الحالتين هم حراس الكلمة.
وهكذا، بدا عام 2026 وكأنه يختزل مأساة الصحافة العربية وطموحها في آنٍ: فعلى شواطئ المتوسط الغربي، ترفع الرباط راية "عاصمة الإعلام العربي" سعياً إلى مختبر فكري يعيد للكلمة بهاءها، وعلى شواطئ المتوسط الشرقي، تدفن جثامين الصحفيين تحت ركام غزة بصمت دولي ثقيل.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، يبقى السؤال معلقاً: كم صحفياً إضافياً يجب أن يُقتل قبل أن تتحول بيانات الشجب إلى أفعال؟ ومن يحمي من يحمون الحقيقة؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







