رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين أمضى أرنولد جوزيف توينبي - المؤرخ وفيلسوف تاريخ بريطاني (1889–1975)، من أبرز من حاولوا تفسير نشوء وسقوط الحضارات عبر رؤية شاملة - ما يقرب من ثلاثين عاما ً يدرس مسار الحضارات، لم يكن يبحث عن أحداث ٍ تُروى، بل عن قوانين تُفهم.
وفي عمله الموسوعي دراسة للتاريخ، لم يكتفِ بتسجيل صعود الأمم وسقوطها، بل حاول أن يجيب عن السؤال الأهم: لماذا تنهار الحضارات؟

وكانت إحدى الإجابات العميقة:
أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائماً  من الخارج، بل من الداخل، حين تعجز المجتمعات عن إدارة اختلافاتها.
وهنا تتضح الفكرة التي نحتاج أن نستعيدها اليوم:
نحن لا نحتاج أن نتشابه؛ بل أن نُحسن الاختلاف .. فالاختلاف سُنّة إنسانية، وضرورة للحياة، ووقود للتفكير .. لكن الخلاف حين يتحول إلى صراع، يُهدر هذه الطاقة بدل أن يوظفها.

ولعل ما نواجهه اليوم ليس غيابا ً للاختلاف؛ بل غيابا ً لمن يُديره.
فمع تغيّر إيقاع الزمن، وتسارع الأحداث، وغياب بعض الرموز في مجالات متعددة، لأي سبب كان، تراجع دور القدوة التي كانت تُوازن المشهد، وتُهذّب الذوق، وتُوجّه الحوار.
ولم يكن أثر ذلك فقط في تراجع مستوى النقاش، بل امتد إلى الوعي العام، وترك بصمته على ملامح الهوية.

وليس معنى التقدم أن نقطع صلتنا بالماضي، ولا أن نُفرط في مسايرة ما يُلقى إلى الشارع والعامة دون معيار.
لقد كان الاختلاف حاضرا ً في كل زمان، لكن الفارق أن الماضي كان يملك رموزه التي تُدير هذا الاختلاف.
ففي الفن، لم يكن الصوت واحدا ً، بل تعددت المدارس بين سيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، وصولا ً إلى ألوان مختلفة مثل ماهر العطار ومحمد العزبي … ومع هذا التنوع، ظل الذوق حاضرا ً.

وفي الأدب، لم يكن المشهد صوتا ً واحدا ً، بل مساحة واسعة ضمت نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي وعباس محمود العقاد .. فكان الاختلاف يصنع اتجاهات، لا صدامات.

وفي الإعلام، تعددت الأساليب بين آمال فهمي وجلال معوض وحمدي قنديل، وكانت الرسالة حاضرة، رغم اختلاف الطريقة.

اليوم، لا تكمن المشكلة في ظهور أسماء جديدة، فكل جيل له أدواته وتعبيراته .. لكن التحدي الحقيقي هو:
هل هناك معايير تُنظّم هذا التنوع؟
هل هناك مرجعية تحفظ التوازن بين الحرية والمسؤولية؟
لأن غياب هذه المعايير، يحوّل الاختلاف من مصدر ثراء .. إلى حالة من التشويش.

ومن هنا، يصبح التصحيح ضرورة، لا رفضا ً للحاضر، بل استعادة ً للتوازن.
تصحيح يقوم على مدّ الجسور، لا هدم الواقع، جسور بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال، وبين الرؤى المختلفة.

وجسور داخل مثلث التأثير:
المرسل، والمتلقي، وصانع القرار.

فلا رسالة بلا وعي، ولا وعي بلا مضمون، ولا مضمون بلا مسؤولية.

في النهاية ؛؛
لسنا مطالبين أن نعود إلى ما كان، ولا أن ننجرف مع كل ما هو كائن .. بل أن نُحسن الاختيار بينهما.
نختلف … لنتفق.
ونتحاور … لنفهم.
ونتعدد … لنبني.
لأن الخلاف يُرهق المجتمعات،
أما الاختلاف، فهو الذي يُنضجها.