رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تيجراي على هامش الانتخابات الإثيوبية: من إرث الهيمنة إلى مأزق الدولة الفيدرالية

تيجراي
تيجراي

في ظل الانتخابات الإثيوبية المرتقبة، تبرز معضلة إقليم تيجراي بوصفها أحد أبرز مظاهر الاختلال البنيوي في النظام السياسي، لاسيما في ظل ما ينظر إليه كاستبعاد فعلي أو وظيفي للإقليم من العملية السياسية، رغم كونه شكل لفترة طويلة مركز الثقل في إدارة الدولة وصناعة القرار، ولا يمكن فهم هذا التحول الحاد من موقع الهيمنة النسبية إلي حالة التهميش إلا في سياق إعادة شكل موازين القوى الداخلية عقب صعود آبي أحمد إلي السلطة، وما ترتب على ذلك من إعادة توزيع للنفوذ داخل بنية النظام السياسي.

ويعكس هذا التحول أزمة أعمق تتجاوز البعد الانتخابي، لتطال طبيعة النظام الفيدرالي ذاته، وحدود قدرته على استيعاب التغييرات في مراكز النفوذ دون إنتاج أشكال من الإقصاد السياسي، ومن ثم فإن حالة تيجراي لا تمثل مجرد استثناء ظرفي، بل مؤشرًا دالًا على تصدعات هيكلية قد تهدد استقرار النظام علي المدى المتوسط.

من مركز السلطة إلي هامش النظام

تاريخيًا، احتلت تيجراي موقعًا محوريًا في تشكيل النظام السياسي الحديث في إثيوبيا، بفصل الدور الذي لعبته جبهة تحرير شعب تيجراي في إسقاط نظام الدرغ عام 1991، ثم في إعادة هندسة الدولة عبر نموذج فيدرالي يقوم على توزيع السلطة بين القوميات.

الحرب كقطيعة سياسية لا مجرد صراع عسكري

هذا التناقض انفجر مع التحول السياسي عام 2018، حين صعد آبي أحمد إلي السلطة، ما أدي إلي إعادة توزيع موازين القوة داخل الدولة، تراجع نفوذ تيجراي بشكل حاد، وتحولت علاقتها مع المركز من موقع القيادة إلي المواجهة، في ظل تصاعد التوترات السياسية والدستورية، وقد بلغت هذه التوترات ذروتها مع اندلاع حرب 2020-2022، التي لم تكن مجرد نزاع عسكري، بل مثلت قطيعة سياسية عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين الإقليم والدولة، فقد أدت الحرب إلى تدمير واسع للبنية التحتية، وتعطيل المؤسسات، وإخراج تيجراي فعليًا من الإطار السياسي الوطني، بما في ذلك استبعادها من انتخابات 2021.

المشهد السياسي بعد الحرب: تعددية هشة وهيمنة متآكلة 

في مرحلة ما بعد الحرب، يتسم المشهد السياسي في تيجراي بدرجة عالية من الهشاشة وعدم اليقين، فعلى الرغم من استمرار حضور جبهة تحرير شعب تيجراي، إلا أن هيمنتها التقليدية لم تعد مطلقة، في ظل تصاعد الانقسامات الداخلية وتراجع قدرتها على ضبط المجال السياسي.

 وقد كشفت الخلافات بين قياداتها، خاصة بين التيارات المختلفة داخل الحزب، عن تحول عميق من نموذج الحزب المتماسك إلى بنية أكثر تفككًا، تتنازعها رؤى متباينة حول إدارة المرحلة الانتقالية والعلاقة مع الحكومة الفيدرالية، في المقابل، تعاني قوى المعارضة من ضعف هيكلي مزمن، تفاقم بفعل الحرب، ما أدى إلى محدودية قدرتها على تقديم بديل سياسي فعّال.

يزداد هذا المشهد تعقيدًا بفعل النزاع القانوني حول وضع الجبهة، بعد قرارات المجلس الوطني للانتخابات الإثيوبي المتعلقة بإلغاء تسجليها، هذا الوضع يضع العملية الانتخابية أمام معضلة جوهرية، حيث يصبح أحد أبرز الفاعلين السياسيين خارج الإطار القانوني، في وقت لا تمتلك فيه القوى الأخري القدرة علي تعويض هذا الغياب، نتيجة ذلك تتحول الانتخابات إلي عملية شكلية مهددة بفقدان مضمونها التنافسي، ما يقوض شرعيتها المحتملة.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو انتخابات 2026 في تيجراي محاطة بقيود هيكلية عميقة، تتجاوز الإطار الإجرائي إلي أبعاد سياسية وأمنية ومؤسسية، فغياب بيئة أمنية مستقرة، وضعف مؤسسات الدولة، وانعدام التوافق السياسي الداخلي، كلها عوامل تجعل من الصعب تصور انتخابات تعكس إرادة سياسية حقيقية، ووعليه فإن التحدي لا يكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاتها، بل في تهيئة الشروط التي تجعلها أداة لإعادة بناء الشرعي، وليس مجرد إجراء شكلي.

انتهاك الدستور وتجزئة الأراضي

شكل قرار مجلس الاتحاد الإثيوبي الصادر في فبراير 2026 نقطة خلاف جوهرية، إذ ينظر إليه داخل تيجراي باعتباره سابقة تعكس نمطًا من التجاوزات الدستورية المؤثرة على وقع الإقليم، فقد قضى القرار بإجراء الانتخابات البرلمانية الفيدرالية في خمس دوائر انتخابية كانت خاضعة سابقًا لإدارة تيجراي، ولكن خارج إشراف سلطاتها الإقليمية، إلي حين تسوية النزاعات المرتبطة بملكية الأراضي.

وجاء هذا التوجيه إلي المجلس الوطني للانتخابات الإثيوبي بعد إعلان الهيئة، في أواخر يناير، تفاصيل الدوائر ومراكز تسجيل الناخبين ضمن الاستعدادات للانتخابات العامة السابعة.

تشمل هذه الدوائر مناطق في غرب تيجراي مثل “سيتيت هوميرا، وكا فتا هوميرا، وولكيت، وتسيغيدي”، وهي مناطق أدرجت مراكز الاقتراع فيها استنادًا إلى الحدود الإدارية السابقة للحرب، غير أن هذه المناطق لا تزال فعليًا خارج سيطرة الإدارة الإقليمية، إذ تخضع منذ اندلاع الحرب لسيطرة قوى متحالفة مع الحكومة الفيدرالية وإقليم أمهرة، وهو ما أدي إلي تغييرات ديموغرافية قسرية واسعة، شملت تهجير أكثر من مليون مدني، لا يزال كثير منهم عاجزين عن العودة رغم توقيع اتفاق بريتوريا.

في هذا السياق، أشار تاديسي ويريدي، رئيس الإدارة المؤقتة في تيجراي، فى مايو الماضي، إلي أن نحو 40% من أراضي الإقليم لا تزال خارج السيطرة المحلية، مؤكدًا أن استعادة الحدود الدستورية وتمكين عودة النازحين يمثلان شرطًا أساسيًا لأي عملية سياسية ذات مصداقية في إقليم لم يتعاف بعد من تداعيات الحرب.

تكشف حالة تيجراي عن أزمة أوسع في بنية النظام الفيدرالي الإثيوبي، حيث يطرح استبعاد الإقليم، سواء كان فعليًا أو وظيفيًا، تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على إدارة التنوع الإقليمي. 

وفي هذا السياق، تتحول الانتخابات من كونها آلية ديمقراطية إلى اختبار لمدى تماسك الدولة وقدرتها على إعادة دمج مكوناتها في إطار سياسي مشترك.

في المحصلة، تقف تيجراي عند مفترق طرق حاسم، حيث يتقاطع إرث الهيمنة السياسية مع واقع التفكك والانقسام، في ظل بيئة ما بعد حرب لم تكتمل فيها شروط التعافي، وإذا مضت إثيوبيا نحو انتخابات 2026 دون مشاركة فعالة من الإقليم، فإن ذلك لن يعكس فقط أزمة محلية، بل سيشير إلى خلل بنيوي أعمق في مشروع الدولة الإثيوبية، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبلها السياسي واستقرارها على المدى الطويل.