رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

​تعاني المنظومة الصحية في مصر من تراجع حاد في الأداء وضَعف ملموس في جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين. وأمام هذا الواقع المأزوم، يبرز الحل الأمثل والركيزة الأساسية للإنقاذ في ضرورة الإسراع بتنفيذ وتفعيل التوجيهات والتوصيات التي أطلقها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بإقامة المدن الطبية العملاقة.
​ورغم الإعلان عن مشروعات واعدة في هذا الصددمثل (المدينة الطبية لجامعة عين شمس _(والمدينة الطبية لهيئة المستشفيات والمعاهد التعليميه)إلا أن مقتضيات الواقع تفرض ضرورة الإسراع بتفعيل وافتتاح هذه الصروح فورًا. إن إنقاذ المنظومة يتطلب جراحة عاجلة لإنهاء أزمات الرعاية المركزة، ونقص حضّانات الأطفال، وتوفير أسرة الحروق، وإنهاء قوائم انتظار مرضى القلب والحالات الطارئة، وتوفير الرعاية الفورية لمرضى السكري دون الاصطدام بروتين عقيم.
​إننا اليوم لا نواجه مجرد "أزمة عابرة"بل نحن أمام ما يمكن وصفه بـ "المجزرة الصامتة"؛ مجزرة لا تُطلق فيها النيران، بل يُطلق فيها قرار قتل معنوي ومادي بكلمتين تلخصان مأساة المواطن: "مفيش سرير".
​الوصف الدقيق للأ زمة: الواقع المؤلم داخل المستشفيات
يبدء بالإستقبال والطوارئ  الوصف الادق ساحة معركة وانتظار للموت
​يدخل المريض ينزف ليجد أمامه طابورًا مؤلفًا من مئات الحالات الطارئة. دماء تسيل، صرخات ألم تتعالى، في مقابل ممرضة وحيدة منهكة تصرخ: "اصبر دورك". كم مريضًا نزف حتى الموت وهو ينتظر دوره؟ وكم طفلًا ابتلع سمًا اي شئ ما  وفارق الحياة قبل أن تصل إليه يد الطبيب؟ إن متوسط الانتظار في استقبال مستشفيات القاهرة الكبرى يصل إلى 12 ساعة كاملة، وتشير الإحصائيات إلى أن 70% من وفيات الحوادث تحدث بسبب التأخر في تقديم الرعاية العاجلة، لا بسبب الحادث نفسه.
​ العناية المركزة.. الجنة المحرمة
​سرير العناية المركزة هو الفاصل بين الحياة والموت. ومن المؤلم والمفزع علميًا أن نجد في مصر أقل من 5 أسرة رعاية لكل 100 ألف مواطن. حين تمتلئ هذه الأسرة القليلة، يصدر الحكم القاسي على المريض: "الحالة حرجة.. بس استنى". ينتظر ماذا؟ هل ينتظر أن يموت مريض آخر لكي يحل محله ويعيش؟ هذا ليس بروتوكولًا علاجيًا، هذه "قرعة موت".
​ثنائي الإمكانيات والكوادر: عذر أقبح من ذنب
​عجز وتوقف الأجهزة: من غير المقبول وجود جهاز أشعة مقطعية واحد في مستشفى يخدم مليون نسمة، وإذا تعطل الجهاز توقف التشخيص لشهر كامل. وكذلك وجود جهاز قسطرة قلبية واحدة بطابور انتظار يصل إلى 8 أشهر، في حين أن المريض قد لا يملك 8 أيام للانتظار.
​دواء ناقص وسوق سوداء: يكتب الطبيب بروتوكول العلاج، ليرد الصيدلي بالعبارة الشهيرة: "ناقص يا دكتور، لف عليه". ليضطر أهل المريض الفقير للطواف على عشرات الصيدليات، وينتهي بهم المطاف بشرائه من السوق السوداء بثلاثة أضعاف ثمنه—إن وجد. بأي منطق يدفع المريض الفقير ثمن أزمات شركات الأدوية؟
​طبيب مكسور ومرهق: طبيب امتياز في الرابعة والعشرين من عمره، يقضي نبطشية تستمر لـ 36 ساعة متواصلة، يستقبل خلالها نحو 300 حالة في الوردية الواحدة، ومقابل راتب لا يتجاوز 4000 جنيه! كيف نطلب منه التشخيص بدقة وذهنه مثقل بالتفكير في قوت يومه وقسط شقته؟ لقد كسرنا الطبيب، فكُسر المريض معه.
​من المسؤول عن هذه الدماء؟
​المسؤولية مشتركة وتتفاوت بين جهات عدة:
​الدولة والميزانية: الإنفاق على قطاع الصحة لا يزال أقل من 2٪ من الناتج القومي الإجمالي. هذا الرقم الضئيل يطرح علامة استفهام كبرى حول الأولويات؛ فأي أولوية تسبق صحة المواطن الذي هو الاستثمار الحقيقي للدولة؟
​البيروقراطية الإدارية: الروتين في إدارة المستشفيات يقتل أكثر من السرطان. مريض في حالة حرجة يحتاج لجراحة عاجلة، والموظف يصر على استيفاء "ختم النسر" وموافقة اللجنة وتفاصيل التأمين، فيموت المريض والورقة لم تُوقع بعد.
​صمت نواب الشعب: أين نواب الشعب من هذه المعاناة؟ لا نرى ضغطًا حقيقيًا على الوزراء، ولا تحركًا ينم عن الشفقة بمواطن يترك مصيره للصدفة بحثًا عن سرير رعاية. لقد نسى من منحوهم أصواتهم آلام الدوائر التي يمثلونها.
​خارطة الطريق للإنقاذ: حلول قابلة للتطبيق
​إن الحل ليس مستحيلًا، ولكنه يتطلب قرارًا شجاعًا وإرادة سياسية حاسمة تتلخص في خمسة محاور:
​أولًا: إعلان خطة طوارئ للأسرة والحضّانات: إصدار قرار عاجل بمضاعفة أسرة الرعاية المركزة وحضّانات الأطفال في كل محافظة خلال سنة واحدة بخطة زمنية واضحة؛ فالحياة البشرية أبقى وأهم من أي مبانٍ وتوسعات أخرى.
​ثانيًا: رواتب تليق بملاك الرحمة: يجب ألا يقل راتب طبيب الطوارئ عن 25 ألف جنيه، وممرض الرعاية عن 15 ألف جنيه. من يمسك أرواح البشر بين يديه يجب أن يعيش بكرامة، وإلا سنشهد هجرة جماعية للأطباء ولن يبقى في المستشفيات إلا الموتى.
​ثالثًا: مخزون استراتيجي دائم: مثلما تمتلك الدولة مخزونًا استراتيجيًا للقمح، يجب توفير مخزون استراتيجي من أدوية الطوارئ والمستلزمات الحيوية والأكسجين يكفي لـ 6 أشهر على الأقل.
​دم المواطن ليس رخيصًا.
​خامسًا: التفعيل الفوري للتأمين الصحي الشامل: كفانا تسويفًا وتأجيلًا. نريد تفعيل المنظومة ليمتلك كل مواطن بطاقة تأمينية تضمن له السرير والدواء والكرامة في أي مستشفى يدخله كحق دستوري أصيل وليس كمنحة من مسؤول.
​رسالة أخيرة إلى كل مسؤول
​أيها المسؤول.. تخيل لثانية واحدة أن ذلك المريض الملقى على الأرض في انتظار سرير رعاية هو أبوك، أو أمك، أو زوجتك. تخيل أن ذلك الطفل الذي يختنق لنقص الأكسجين هو ابنك.. هل كنت ستقول حينها "الميزانية لا تسمح"؟
​إننا لا ينقصنا المال، بل ينقصنا الضمير والاستشعار الحقيقي للأزمة. المستشفى هو مرآة الدولة؛ وإذا كانت مرآتنا مليئة بضحايا الإهمال ونقص الأسرة، فكيف نحدث الناس عن "الجمهورية الجديدة"؟
​إن الساكت عن حق المريض شريك في قتله. قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.. فأين نحن من إحياء الناس؟