تقدير دور الأطباء وبيان فضلهم في السُنة النبوية
من المقرر شرعًا أن ما يقوم به الأطباء من عملٍ هو من أشرف الأعمال وأنبلها؛ لأن به سلامة الإنسان في بدنه، وإذا سَلِم الإنسان في بدنه عبَدَ ربه وسعَى في تحصيل رزقه من علم أو عمل، فينصلح بذلك حاله في دنياه ومعاده.
علو مكانة الأطباء وبيان مكانتهم بين أفراد المجتمع
ومما زاد من شرف عمل الطبيب وعُلوِّ مكانته أنه وإن كان يعتمد في تناوله على العلم التجريبي النافع المقرون بالممارسة إلا أنه لا بد أن يكون مغلفًا بمعاني الرحمة والإنسانية والإتقان والتفاني في القيام به؛ خاصة أنه يتعامل مع الإنسان في حال ضعفه ومرضه، فشمل عمله من معاني الرحمة الواجبة ما لم يشمله غيره من الأعمال.
ومن هنا كانت الحاجة إلى علماء الطب الذين بهم ينصلح حال الإنسان في جسده لا تقل عن الحاجة إلى علماء الدين الذين بهم ينصلح حال الإنسان في دينه وروحه، وعلى ذلك تواردت نصوص العلماء.
فروى الإمام أبو نعيم في "حلية الأولياء" (9/ 142) عن محمد بن سهل الطوسي عن الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: [العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان] اهـ.
وروي عنه أيضًا أنه قال: [صنفان لا غنى للناس عنهما: العلماء لأديانهم والأطباء لأبدانهم] اهـ.
وروي عنه أيضًا أنه قال: [العلم علمان: علم الدين؛ وهو الفقه، وعلم الدنيا؛ وهو الطب] اهـ. أخرجه ابن حكمان الهمذاني في "الفوائد والأخبار" (1/135، ط. دار البشائر).
ومما يزيد من قَدْر الأطباء وأهمية ما يقومون به من عمل أن الله تعالى قد أناط بهم تحقيق مقصد من أولى مقاصد الشريعة ألا وهو حفظ النفس؛ فاختصهم دون سواهم بعلاج المرضى ومداواتهم ودفع سبل الهلاك عنهم، والإرشاد إلى طرق الوقاية التي بها يحفظ الإنسان نفسه من خطر الإصابة بالأمراض والأوبئة.
قال الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" (4/ 15، ط. مؤسسة الرسالة): [روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام قال: يا رب ممَّن الداء؟ قال: مني. قال: فممن الدواء؟ قال: مني. قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أُرسِل الدواءُ على يديه] اهـ.
مراعاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقواعد الطب في طعامه وشرابه
قد توارد النصوص على مراعاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقواعد الطب في طعامه وشرابه حال صحته، وتداويه حين مرضه، وأمره لمن يمرض بالتداوي.
فأما مراعاته صلى الله عليه وآله وسلم لقواعد الطب في صحته؛ فقد قال العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية" (2/ 164، ط. المكتبة التوفيقة): [وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى كَسْر وتَعدِيل كَسَرَه وعَدَّلَه بضِدِّه إن أمكن] اهـ.
كما تواردت النصوص أن السيدة عائشة كانت من أعلم الناس بالطب لِمَا رأته من كثرة تطبُّبِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين مرضه؛ فعن هشام بن عروة رضي الله عنهما قال: كان عروة يقول لعائشة رضي الله عنهما: يا أُمَّتَاهُ لا أعجب من فقهك. أقول: زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وابنة أبي بكر ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب. كيف هو؟ ومن أين هو؟ وما هو؟ قال: فضربت على منكبي ثم قالت: "أي عُرِّيَة إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسقم في آخر عمره فكانت تقدم عليه الوفود من كل جهة فتنعت له الْأَنْعَاتَ فكنت أعالجها له. فمن ثم". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء".
وقال العلامة ابن حجر في "الإصابة" (8/ 233، ط. دار الكتب العلمية): [قال هشام بن عروة، عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقهٍ ولا بطبٍّ ولا بشعرٍ من عائشة] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض