رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا يولد الإنسان مكتملا ً، وإن جاء إلى الدنيا كامل الخِلقة. فاكتمال الإنسان لا يُقاس بسنوات العمر، ولا بما يملكه من مال أو مكانة، بل بما يصنعه داخل نفسه من وعيٍ، وما يبنيه من منهج، وما يُشكّله من شخصية قادرة على الثبات والاختيار.

كثيرون يعيشون أعمارا ً طويلة، لكنهم يظلون أسرى ما قيل لهم، يتحركون بردود أفعال جاهزة، ويكررون أفكارا ً لم يفحصوها، ويسيرون في طرق لم يختاروها .. قد يكبر الجسد، لكن الداخل يظل مؤجلا ً حتى يبدأ الإنسان في المشاركة الحقيقية في صناعة نفسه.

وأول الطريق هو الوعي.
فالوعي لا يعني كثرة المعلومات؛ بل يعني القدرة على الفهم، والتمييز، وقراءة الأمور خلف ظاهرها، ومعرفة ما ينفع وما يضر، وما يرفع الإنسان وما يستهلكه. 
الوعي هو أن يتوقف المرء عن تصديق كل ما يسمع، وعن معاداة كل ما يختلف معه، وعن العيش وفق ما يفرضه الضجيج.

ثم يأتي المنهج.
فالمنهج هو الطريقة التي يترجم بها الإنسان وعيه إلى حياة؛ هو أسلوبه في التفكير، ومعاييره في الحكم، وانضباطه في القرار، وموقفه من النجاح والفشل، ومن الناس، ومن نفسه. من يملك منهجا ً واضحا ً لا تشتته كل ريح، ولا تسوقه كل موجة عابرة.

وبعد الوعي والمنهج، تبدأ الشخصية الحقيقية في الظهور.
لا تلك الشخصية المصنوعة للمجاملات، ولا الصورة التي يفرضها الخوف؛ بل الشخصية التي تتشكل من المواقف، وتُعرف عند الاختبار، وتظهر حين تتعارض المصلحة مع المبدأ، أو الراحة مع الواجب، أو المكسب مع الكرامة.

والشخصية لا تُهدى، بل تُبلور.
يُبلورها الصدق مع النفس، وتحمل المسؤولية، والتعلم من الخطأ، والقدرة على الاعتذار، والشجاعة في المراجعة، والثبات حين يسهل التنازل.

ولهذا نرى بعض الناس يملكون كل أسباب القوة من الخارج، لكنهم ضعفاء من الداخل، لأنهم لم يبنوا وعيا ً، ولم يصنعوا منهجا ً، ولم يُبلوروا شخصية مستقلة .. ونرى آخرين بسطاء الإمكانات، لكنهم كبار الحضور، لأنهم امتلكوا أنفسهم.

الإنسان لا يكتمل حين يعرف كل شيء ؛ بل حين يعرف من يكون.
ولا يكتمل حين ينتصر على الجميع ؛ بل حين ينتصر على الفوضي بداخله.
ولا يكتمل حين يقلّد الآخرين ؛ بل حين يصل إلى نسخته الصادقة.

وفي النهاية؛ يولد الإنسان مرةً بالجسد، لكنه قد يحتاج إلى عمرٍ كامل كي يولد مرة ً أخرى بالوعي .. وحين يصنع وعيه، ويبني منهجه، ويُبلور شخصيته .. يبدأ اكتماله الحقيقي.