محطة فاصلة في تاريخ السيرة النبوية.. أهمية صلح الحديبية
يعد صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة محطة فاصلة في تاريخ السيرة النبوية، فرغم شروطه التي بدت في ظاهرها قاسية على المسلمين، إلا أنه كان طياتها فتحًا مبينًا، وحكمة نبوية من رسول الله ﷺ، مهدت لانتشار الدعوة بسلام، وكسرت شوكة قريش، وأسست للفتح الأعظم.
خروج الرَّسُول ﷺ ومحاولات تجنب الصِّدَام والنزول بالحديبية
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة مُعْتَمِرًا، لا يريد حَرْبًا، وقد استعمل على المدينة نُميلة بن عبد الله الليثي.
ولما عزم على المسير، بدأ النبي ﷺ يستنفر العرب ومَن حوله من أهل البوادي لِيخرجوا معه؛ خشيةَ أن تعرض له قريش بِحَرْبٍ أو يصدوه عن البيت الحرام، فأبطأ عليه كَثِيرٌ من الأعراب، فخرج ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومَن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، الذي بلغ سبعين بَدَنَةً، وأحرم بالعمرة لِيأمن الناس من حربه، وليعلموا أنه إنما خرج زَائِرًا لِهذا البيت، ومُعَظِّمًا له.
أما عن عِدة الرجال، فقد تباينت الروايات؛ ففي رواية الزهري عن عروة بن الزبير عن المِسور بن مَخْرمة ومروان بن الحكم أنهم كانوا سبعمائة رَجُلٍ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، بينما كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: "كُنَّا أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ". [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٠٨)]
مضى الركب النبوي حتى إذا بلغ عُسْفَانَ (وهي منهل من مناهل الطريق بين مكة والمدينة)، لقيه بشر بن سفيان الكعبي -ويقال بُسر- فنقل للنبي ﷺ تحركات قريش قائلًا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ قريش، قَدْ سَمِعْتُ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوهَا إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ".
يقصد بـ (العُوذ المطافيل) الإبل الحديثة النتاج مع أولادها، وهي كناية عن خروجهم بنسائهم وصبيانهم استماتةً في القتال، و(ذو طُوَى) موضع قرب مكة، و(كراع الغميم) وادٍ أمام عسفان.
فتألم النبي ﷺ لحالهم، ورثى لما أصابهم قائلًا: «يَا وَيْحَ قريش! لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَا تَظُنُّ قريش، فَوَاللَّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ»، و(السالفة) هي صفحة العنق، وهي كناية عن استمراره في دعوته حتى الموت.
ثم طلب النبي ﷺ طريقًا بديلًا؛ لتجنب لقاء خيل قريش، قائلًا: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الَّتِي هُمْ بِهَا؟». [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٠٩)، مسند أحمد (١٨٩١٠)]
انتدب رَجُلٌ من قبيلة أسلم ؛ لِدلالة الجيش، فسلك بهم طَرِيقًا وَعْرًا أَجْرَلَ (أي كثير الحجارة لا نبات فيه) بين شِعاب، ولما خرجوا منه بمشقة بالغة، أفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، فأمرهم النبي ﷺ بالاستغفار، فلما استغفروا وتابوا، قال: «وَاللَّهِ إنَّهَا لَلْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ» إشارة لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا۟ حِطَّةࣱ﴾ [البقرة: ٥٨]، فلم يقولوها.
سلك الجيش ذات اليمين حتى رأوا قَتَرَةَ جيش قريش، أي غباره، فرجع فرسان المشركين راكضين لإنذار قومهم، وحين وصل النبي ﷺ إلى (ثنية المُرار)، وهي مهبط الحديبية من أسفل مكة، خَلَأَتْ (أي بركت وحرنت) ناقته، فقال الناس: "خَلَأَتْ النَّاقَةُ"، فدافع عنها النبي ﷺ قائلًا: «مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» [صحيح البخاري (٢٧٣١)].
ثم أمرهم بالنزول، فشكوا قلة الماء بالوادي، وهنا تجلت معجزة نبوية؛ إذ أخرج النبي ﷺ سَهْمًا من كنانته، وأعطاه لأحد أصحابه –قيل: هو ناجية بن جندب، وهو سائق بُدْن رسول الله، وقيل: البراء بن عازب- فنزل به في (قَلِيبٍ) أي: بئر من تلك القلب الجافة، فغرزه في جوفه، فَجَاشَ (أي: ارتفع) بِالرَّوَاءِ (أي: الماء الكثير)، حتى ضرب الناس عنه بِعَطَنٍ (وهو مبرك الإبل حول الماء بعد ريها). [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٠)، مسند أحمد (١٨٩١٠)]
المفاوضات والرسائل بين رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقريش
لما اطمأنَّ رسول الله ﷺ بالحديبية، بدأت قريش تبعث رُسُلها؛ لتقصي الحقائق، فجاء أولًا بُديل بن ورقاء الخزاعي في رِجَالٍ من قومه، وكانت قبيلة خزاعة عَيْبَةَ نُصْحِ لرسول الله ﷺ (أي خاصته وأصحاب سره الذين لا يخفون عنه شَيْئًا بمكة)، فسألوه عن سبب قدومه، فأخبرهم النبي ﷺ أنه لم يأتِ يريد حَرْبًا، وإنما جاء زَائِرًا للبيت ومُعَظِّمًا لحرمته، فرجعوا إلى قريش ناصحين وقالوا: "يَا مَعْشَرَ قريش، إنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ، إنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، وَإنَّمَا جَاءَ زَائِرًا هَذَا الْبَيْتَ"، ولكن قريشا اتهموهم وجَبَهُوهُمْ (أي خاطبوهم بما يكرهون) قائلين: "وَإنْ كَانَ جَاءَ وَلَا يُرِيدُ قِتَالًا، فَوَاللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا، وَلَا تَحَدَّثَ بِذَلِكَ عَنَّا الْعَرَبُ".
ثم بعثت قريش مِكْرَزَ بن حفص، فلما رآه النبي ﷺ مُقْبِلًا قال: «هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ» [صحيح البخاري (٢٧٣١)]، ولما كلمه أسمعه النبي ﷺ مِثْلَ ما قال لبديل، فعاد لقريش وأخبرهم.
ثم بعثوا الحُلَيْسَ بن علقمة، وكان يومئذٍ سيد الأحابيش، فلما رآه النبي ﷺ قال: «إنَّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلَّهُونَ» (أي يتعبدون ويعظمون الحرمات)، «فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَرَاهُ»، فلما رأى الحليس الهدي يسيل عليه من عُرْضِ الوادي (أي جانبه) في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن مَحِلِّهِ (أي: موضعه الذي يُنحَر فيه من الحرم)، عاد إلى قريش، ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لِمَا رأى، فلما أخبرهم سخروا منه، قائلين: "اجْلِسْ، فَإنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ"، فغضب الحُليس غضبًا شَدِيدًا وقال: "يَا مَعْشَرَ قريش، وَاللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ، أَيُصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ؟! وَاَلَّذِي نَفْسُ الْحُلَيْسِ بِيَدِهِ، لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، أَوْ لَأَنْفِرَنَّ بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ"، فأسكتوه، وطلبوا منه الكف، حتى يأخذوا لأنفسهم ما يرضيهم. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٢)، مسند أحمد (١٨٩١٠) مغازي الواقدي (٢/ ٥٩٩)]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض