تأملات
هذه ليست نكتة أو أمرا يعتبر مجالا للمزاح أو السخرية، وإنما هى حقيقة ربما تبدو مفارقة للواقع. ولأنها كذلك، فإن طرحها استلزم التمهيد لها بنوع من التصريحات التى تجعل الأذهان مهيأة لقبولها وهو ما بدا فى إشارة المتحدثة باسم البيت الأبيض لما ينوى الرئيس ترامب فعله بهذا الشأن.
أتحدث هنا عن فكرة تكاليف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فمن المعلوم لكل من تابع تلك الحرب أنها بدأت بمحض إرادة وحرية واشنطن وتل أبيب، بل وبتخطيط بعيد المدى ولأهداف تخصهما وحدهما. ومن المعلوم أيضا أن دول الخليج رغم كل ما أصابها من اعتداءات مثلت ردا إيرانيا على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، التزمت مبدأ الدفاع عن الذات دون المبادرة باتخاذ أى عمليات هجومية وهو ما يعبر عن قمة النضج فى التعامل مع الأزمة والتى تمثل فى التحليل النهائى أزمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
دَعْكَ هنا من الحديث عن تهديد إيرانى لدول الخليج منذ بدء ثورة الخمينى فتلك التهديدات تثور فى الأفق منذ ذلك الحين دون أن ينال دول الخليج أى أذى بل إن العلاقات الخليجية الإيرانية كانت فى كثير من الأحيان سمنا على عسل، وكان المثل الأبرز على ذلك تلك التى بين الإمارات وإيران رغم ضراوة المواجهة بينهما الآن. المفارقة هنا أن أمن الخليج لم يتم النيل منه إلا بفعل العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران ليخرج من دائرة المخاوف إلى دائرة الحقيقة أو الفعل.
ولذلك يبدو من بالغ الغرابة أن تلوح فى الأفق الأمريكى الحديث عن أن تدفع دول الخليج فاتورة وتكاليف الحرب على إيران. السؤال هو بأى منطق يتم ذلك؟ فتلك الدول كما غيرها من دول العالم، بما فيها دول الناتو حليفة الولايات المتحدة، لم تستشر، بل إن الحقيقة أن بعضها اجتهد وبذل الكثير من الجهد من أجل منع تلك الحرب، ولا يجب أن تلهينا هنا بعض التسريبات المغرضة عن أن بعض تلك الدول دفع فى تلك السكة.
لو أن الأمر يتم بمنطق البلطجة فقد يكون أمرا مفهوما رغم أنه غير مقبول، فتلك سمة أصبحت أساسية للسياسة الأمريكية فى عهد ترامب! فليس هناك أى منطق أو أساس قانونى أو تعاقدى فى إطار تلك العلاقات يجعل من هذه الفكرة أمرا له أى قدر من الوجاهة أو الاستساغة!
السؤال: هل تقبل تلك الدول هذه الفرضية أو المطالبة؟ أتصور أن الإجابة لدى الكثيرين للأسف معروفة وهى أن دول الخليج ليس أمامها سوى أن تفعل! وأن منطق استرضاء الولايات المتحدة ومحاولة احتواء غضب إدارة ترامب سيدفع بتلك الدول فى ذلك الاتجاه.
السؤال كيف سيتم احتساب التكلفة؟ ومن الذى سيحدد توزيع حصص المساهمة؟ وهل سيكون من الوارد المناقشة أو المراجعة؟ وماذا لو جرى الاعتراض على ذلك سواء على المبدأ أصلا أو على حجم التقديرات المقدمة من واشنطن؟
السؤال الأكثر خطورة وربما يدخل فى باب الفانتازيا.. هل تتضمن تلك التكاليف نصيب المساهمة الإسرائيلية فى العمليات باعتبار أن تل أبيب قدمت ما يمكن اعتباره «جهدا» رئيسيا فى الحرب؟ وهل يمكن أن يدخل فى حساب التكاليف الخسائر التى لحقت بالمنشآت المختلفة فى الدولة العبرية وتمثل تكاليف ما يمكن اعتباره «إعادة الإعمار»؟. هذه كلها أسئلة عبثية وتنبع من عبثية الفكرة ذاتها، التى لم يكن لها أن تطرح لولا تلك النظرة للخليج التى لا يكف الرئيس ترامب عن ترديدها بأنها دول «الكاش».. فى زمن البلطجة الأمريكية!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض