حكم لبس الرجل سلسلة من الذهب أو الفضة
من المقرر شرعًا أنه يَحْرُمُ على الرجال التَّحَلِّي بلبس الذهب، وأما تحَلِّيهم بالفضة فيباح للرجل اتخاذ خاتم من فضة، أو تحلية سيفه ومصحفه، كما أَنَّه لا مانع شرعًا من لبس الرَّجُل سلسلة من الفضة؛ لما ورد من إجازة جماعة من الفقهاء، إذا كان ممَّا لا يختص بالنساء عُرْفًا، وليس فيه دلالة على التَّخَنُّث؛ وإلَّا فلا، ويتأكَّد الجواز إذا كان لحاجةٍ معتبرة؛ كأن يكون فيها تعريفه وعنوانه لمَن يحتاج إلى ذلك.
حكم التحلي بالفضة والذهب للرجال
من المتفق عليه شرعًا؛ أنَّه يَحْرُمُ على الرجال التَّحَلِّي بلبس الذهب، فالتَّحلِّي به من زينة النساء؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ» رواه أحمد في "المسند"، والترمذي في "السنن"-واللفظ له-، وصححه، والنسائي في "المجتبى".
فالحديث دليلٌ على إباحة الذهب للنساء دون الرجال، وعلى ذلك وقع الإجماع؛ قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (14/ 65، ط. دار إحياء التراث العربي): [أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء وأجمعوا على تحريمه على الرجال] اهـ.
هذا في الذهب؛ أَمَّا الفضة فتحلي الرَّجُل بها تختّمًا أو تحلية لسيفه، أو مصحفه جائز باتفاق الفقهاء، والأصل في ذلك ما ورد في "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ خاتمًا من وَرِق -أي فضة- نقشه "محمد رسول الله".
يقول الإمام -ابن رشد الجد- القرطبي في "المقدمات الممهدات" (3/ 430، ط. دار الغرب): [وأما التختم بالفضة فإنه جائز مباح للرجال والنساء، لا كراهة فيه عند عامة العلماء من السلف والخلف] اهـ.
وقال الإمام شمس الدين ابن قدامة في "الشرح الكبير على المقنع" (7/ 35، ط. دار الكتاب العربي): [يُباح للرجال خاتم الفضة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ خاتمًا من ورق. متفق عليه. ويباح حلية السيف من القبيعة وتحليتها؛ لأن أنسًا رضي الله عنه قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضة] اهـ.
وعلى هذا التفصيل، فلبس الرَّجُل للسلسلة الذهبية في رقبته داخلٌ في نطاق التحريم السابق ذكره، فهو مِن قبيل التَّحَلِّي الذي يختص بالنساء، لا يشاركهن في ذلك الرَّجُال.
آراء الفقهاء في لبس الرجل سلسلة من الفضة وليس الذهب
أمَّا لبس الرَّجُل لسلسلة الفضة في رقبته، فالحنفية قَصَروا جواز تَحلِّي الرَّجُل بالفضة على الخاتم أو الحلية للسيف أو المصحف خاصة، والمالكية والشافعية والحنابلة نصوا على حُرْمة أن يكون الطَّوْق للرجل من الفضة، وهو ما يُفْهَم من قَصْر الحنفية السابق للجواز.
والطَّوْق -كما يُعرِّفه أهل اللغة-: حبلٌ يكون في العنق، ويُجعل فِي أَعْنَاق الصبيان. ينظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (2/ 925، ط. دار العلم للملايين)، و"لسان العرب" لابن منظور (10/ 231، ط. دار صادر). وهذا هو معنى السلسلة التي تُلبَس في الرقبة.
قال العلامة علاء الدين السمرقندي في "تحفة الفقهاء" (3/ 342، ط. دار الكتب العلمية): [وأَمَّا استعمال الذهب والفضة بطريق التَّحلِّي فمباح في حق النساء، وفي حق الرجال حرامٌ، سوى التختم بالفضة] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (6/ 358، ط. دار الفكر): [(ولا يَتحلَّى) الرَّجُل (بذهب وفضة) مطلقًا (إلَّا بخاتم ومنطقة وحلية سيف منها)، أي: الفضة؛ إذا لم يرد به التزين] اهـ.
وقال الإمام شهاب الدين النفراوي في "الفواكه الدواني" (2/ 309، ط. دار الفكر): [ويُعْلَم مِن قَصْر الجواز على الخاتم: حرمة الطوق والدملج من الفضة للرجال] اهـ.
مذهب جماعة من الفقهاء في لبس الرجل سلسلة من الفضة
بينما ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى جواز لبس الطَّوْق للرجل من فضة، وهو ما ذهب إليه المتولي والغزالي من الشافعية، حيث قالا بجواز لبس الرجال للأساور والسلاسل من فضة قياسًا على الخاتم، حيث إنَّه لا فَرْق بين الأصابع وسائر الأعضاء، بشرط ألَّا يكون فيه معنى التَّشبُّه بالنساء، لأنَّ تحريم الفضة لم يثبت إلَّا في الأواني، أو ما كان فيه معنى التَّشبُّه بالنساء.
وهو أيضًا ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية، وهو مذهب الظاهرية، واختاره بعض المتأخرين؛ كالشوكاني، وابنِ تيميَّة، وابنِ القَيِّم. ينظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 229، ط. دار عالم الكتب)، و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية (25/ 65، ط. مجمع الملك فهد)، و"زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم (4/ 320، ط. مؤسسة الرسالة)، و"المُحلَّى بالآثار" لابن حزم (9/ 246، ط. دار الكتب العلمية)، و"السيل الجرار" للشوكاني (ص: 734، ط. دار ابن حزم).
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض