رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تكن العبارة التي أطلقها دونالد ترامب مجرد زلة لسان عابرة، ولا يمكن قراءتها باعتبارها مزحة سياسية ثقيلة الظل، بل جاءت كاشفة عن نمط أعمق في إدارة العلاقات الدولية، يقوم على الانتقال من منطق الشراكة إلى منطق الهيمنة النفسية، ومن لغة المصالح المتبادلة إلى خطاب الاستعلاء غير المغلف.

فحين يُشار بهذا الأسلوب إلى قيادة بحجم الأمير محمد بن سلمان، فإن الأمر لا يتعلق بشخص بعينه، بل ينسحب على طبيعة العلاقة ذاتها، وعلى الكيفية التي يُنظر بها إلى الحلفاء في المنطقة؛ هل هم شركاء حقيقيون في معادلة المصالح، أم مجرد أطراف يُنتظر منها أن تدفع تكلفة الحماية دون أن تملك حق صياغة شروطها؟

وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، تشكلت العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج على أساس معادلة واضحة: أمن مقابل نفوذ، وحماية مقابل استقرار ؛ غير أن ما كشفته السنوات الأخيرة، خاصة في ظل تصاعد التوتر مع إيران، هو أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها، بل ربما لم تعد قائمة من الأساس بالصورة التي كانت تُسوّق بها.

ففي لحظات الاختبار الحقيقي، لم تُظهر المظلة الأمنية الأمريكية القدرة الحاسمة على منع الضربات أو ردعها بالشكل الكافي، كما لم تنجح في توفير مستوى الحماية الذي يتناسب مع حجم الالتزامات السياسية والاقتصادية التي تحملتها دول الخليج لعقود طويلة .. بل على العكس، بدا في بعض الأحيان أن المنطقة تُدار بمنطق “إدارة التوتر” لا “إنهائه”، وبأسلوب يضمن بقاء الحاجة إلى الحماية لا تحقيق الاكتفاء منها.

الأكثر دلالة من ذلك؛ أن الخطاب الأمريكي في كثير من مراحله لم يتجه نحو احتواء التصعيد، بقدر ما بدا وكأنه يدفع باتجاه توسيعه، عبر محاولة جرّ دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران، دون وجود مبررات استراتيجية كافية، ودون ضمانات حقيقية لنتائج تلك المواجهة أو كلفتها النهائية.
ومن هنا تتكشف المفارقة الأهم ؛؛ كيف يُطلب من دول المنطقة أن تتحمل تبعات صراع مفتوح، بينما الطرف الدافع إليه يحتفظ لنفسه بهامش المناورة، ويُبقي قراراته النهائية رهينة لحساباته الخاصة، لا لاعتبارات أمن الحلفاء؟

إن استمرار هذه المعادلة المختلة، مقرونا ً بخطاب يحمل في طياته قدرا ً من الاستخفاف أو الاستعلاء، يفرض على دول الخليج لحظة مراجعة جادة، لا تنطلق من رد فعل عاطفي على تصريح هنا أو هناك، بل من تقييم استراتيجي شامل لمسار العلاقة بأكمله.

هذه المراجعة لا تعني القطيعة، ولا تعني الانسحاب من إطار التحالفات الدولية، لكنها تعني إعادة تعريف العلاقة على أسس أكثر توازنا ً ؛ علاقة تقوم على الندية لا التبعية، وعلى تنويع الشراكات لا احتكارها، وعلى بناء قدرات ذاتية حقيقية تقلل من الاعتماد المطلق على الخارج.

وفي هذا السياق؛ يصبح من المشروع إعادة النظر في طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ليس من منطلق الرفض، بل من منطلق التقييم .. هل يحقق هذا الوجود الغاية التي وُجد من أجلها؟ وهل ما زال يوفر الحماية الفعلية، أم أصبح جزءا ً من معادلة إدارة التوتر واستدامته؟

كما يصبح من الضروري توسيع دائرة الخيارات الاستراتيجية، عبر الانفتاح على قوى دولية أخرى، وبناء منظومات أمن إقليمي أكثر استقلالية، بحيث لا تبقى معادلة الأمن الخليجي رهينة لطرف واحد يملك وحده قرار التصعيد أو التهدئة.

في النهاية، لا تُقاس العلاقات الدولية بما يُقال في لحظة انفعال، بل بما تكشفه تلك اللحظة من حقائق كامنة .. وإذا كانت بعض التصريحات قد بدت صادمة في صياغتها، فإن دلالاتها الأعمق قد تكون أكثر أهمية؛ لأنها تفتح الباب أمام سؤال لم يعد من الممكن تأجيله:
هل آن الأوان لأن تعيد دول الخليج ضبط علاقتها مع واشنطن من علاقة تعتمد على الحماية، إلى علاقة تُدار بالمصالح المتبادلة وحدود الاحترام المتوازن؟