لم تعد ميزانية الأسرة المصرية مجرد أرقام تُدار بحكمة لتلبية الاحتياجات، بل تحولت إلى "ساحة استنزاف" مفتوحة تُحاصرها أزمات هيكلية يفرضها واقع اقتصادي ضاغط. فبينما كانت نفقات التعليم والدروس الخصوصية والخدمات الصحية والطعام تلتهم النصيب الأكبر من الدخل، برز في الأفق "بند كارثي" جديد فرض نفسه بقوة في السنوات الأخيرة، عقب سياسات الإلغاء التدريجي لدعم المحروقات، وهو بند تكاليف النقل والمواصلات.
هذا البند الصاعد لم يعد مجرد مصروف نثري، بل تحول إلى استنزاف شهري ثابت ينافس الاحتياجات الأساسية؛ لدرجة أنني سمعت من بعض الموظفين "محدودي الدخل" أنهم وأبناءهم يعجزون أحياناً عن الذهاب للعمل أو المدارس بسبب نفاد الراتب أو شح السيولة أمام تزاحم الالتزامات الأساسية.
ويعزز من هذا العبء المالي ما يعتري بعض وسائل النقل الجماعي من عشوائية (خاصة الميكروباص) في تحديد قيمة الأجرة، بعيداً عن عنصري "المسافة والزمن" اللذين ينبغي أن يستند إليهما أي تسعير عادل لخدمات النقل.
إن نقطة البداية الحتمية لمواجهة أعباء هذا الملف لا تكمن في الحلول المؤقتة، بل في العودة إلى "أهل العلم"؛ عبر الاستعانة بأساتذة تخطيط وهندسة النقل في جامعاتنا وفي المعهد القومي للنقل وغيره من الجهات الأكاديمية والتنفيذية الرصينة. نحن بحاجة ماسة لصياغة إستراتيجية قومية شاملة لتخطيط النقل على مستوى الجمهورية، تضمن التكامل والتنسيق بين كافة جهود التطوير "الجزئية". كما ينبغي أن نستفيد من تجارب الدول المتقدمة في إدارة شبكات نقل متكاملة، تربط بين الوسائل المختلفة في منظومة واحدة متناغمة تقضي على العشوائية وتخفض التكلفة، بما يقلل من إجهاد المواطن في التنقل.
ومن وجهة نظري، فإن الانضباط الرقمي والهيكلي هو السبيل الوحيد لوقف هذا النزيف المالي، وذلك عبر مسارات متوازية:
أولاً: تعميم ميكنة تحصيل الأجرة كضمانة لعدالة تحديد القيمة وفقاً لعنصري "المسافة وزمن الرحلة"، وإلغاء التعامل النقدي حتى في "الميكروباص" لإغلاق باب العشوائية والمشادات اليومية. إن الميكنة هنا ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل هي أداة لتحقيق تقدير عادل للطرفين؛ فهي تحمي الراكب من "بلطجة" التقدير الجزافي، وتضمن للسائق حقه كاملاً دون صراعات حول "الفكة"، مما يحول العلاقة بين الطرفين إلى عملية تبادلية منضبطة وشفافة.
ثانياً: إقرار "بدل انتقال إلزامي" في منظومة الأجور حيث إن نظم الأجور الحالية صُممت تاريخياً بناءً على "عقد اجتماعي" كان الوقود فيه مدعوماً، أما الآن وقد تلاشى هذا الدعم، فقد أصبح من الحتمي إعادة هيكلة بنود الأجور بإضافة "بدل انتقال" إلزامي في القطاعين الحكومي والخاص، يتناسب مع تكاليف النقل الحقيقية. لا يمكن ترك العاملين يواجهون "غول" التكلفة براتب وُضع بمعطيات زمنٍ ولّى إلى غير رجعة.
ثالثاً: وضع نموذج حسابي للتسعير العادل أسوة بالأنظمة الدولية، نقترح تصميماً يحسب قيمة الأجرة بناءً على ثلاثة متغيرات: (المسافة المقطوعة فعلياً، الاستهلاك الحقيقي للوقود، وعنصر الزمن). هذا النموذج يضمن وضع تسعيرة "ديناميكية" عادلة؛ بحيث لا يظلم السائق في أوقات الذروة، ولا يُغبن الراكب في المسافات القصيرة، مما يحول الأجرة من "رقم مزاجي" إلى "قيمة علمية" دقيقة عبر نظام (GPS).
رابعاً: الرقابة الرقمية متضمنة تفعيل نظام "الملصق الإلكتروني" (QR Code) ليكون "رقيباً رقمياً" في يد كل راكب، لضمان الالتزام بالتعريفة المقررة والخطوط المحددة.
خامساً: تقنين النقل العشوائي عبر دمج مركبات المناطق النائية في جمعيات نقل رسمية خاضعة لإشراف الدولة، وتوفير مظلة حوافز ورعاية (تأمين صحي واجتماعي) للسائقين الملتزمين بالمنظومة الجديدة لضمان استدامة الولاء للقانون.
إن الأساس العلمي لهذا المقترح يستند إلى مفاهيم "اقتصاديات النقل" (Transport Economics)، وتحديداً نظام "التسعير الديناميكي" (Dynamic Pricing) الذي يراعي كافة عناصر التكلفة خاصة المسافة وزمن الرحلة. إن هدفنا النهائي هو تحويل النقل من "بند كارثي" يهدد استقرار الأسرة المصرية، إلى مرفق عام حديث ومنظم يخفف الضغط على جيوب المواطنين المحاصرة بين مطرقة التعليم وسندان العلاج. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتخطيط علمي شامل وتعديل تشريعي لمنظومة الأجور، لينتقل بنا من "جزر التطوير المنعزلة" إلى "وطن متصل" يحترم كرامة المواطن وميزانيته.
سياسي ونقابي مصري - المستشار الأسبق لوزير البيئة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض