رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ضمير مستتر

1. تمهيد (... كيف يمكن لنظام إقليمى أن يستمر لعقود عبر إعادة إنتاج ما يفترض أنه مصدر اضطرابه؟!)
                     من خارج الصندوق
ُـ مع بعض التركيز، سنكتشف أن ما يبدو فى الشرق الأوسط كأحداث متفرقة ليس سوى تعبيرات مختلفة لنمطٍ واحدٍ متكررٍ من الحروب والتوترات المتقطعة، لا يمكن تفسير كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بل ستشعر أن ثمة خيط خفى يربط بينها جميعًا فى نمط متكرر من إعادة إنتاج الصراع كجزء من طبيعة المنطقة التى لا تنتهى توتراتها حتى تبدأ، دون تسويات نهائية واضحة، ربما باستثناءات محدودة، منها طابا المصرية، التى ربما نقلت التوتر من العلن الى داخل القلوب، خاصة على المستوى الشعبى.

ُـ تستقر تلك الصراعات غالبًا فى منطقة وسطَى غريبة، فلا هى حرب شاملة، ولا هى سلام مستقر، ولا هى لا حرب ولا سلم، وإنما حالة من “اللا حسم المنظم” إن جاز التعبير، دون حلول جذرية، وبسيناريو ثابت متعمد لا يبدو معه الصراع كخللٍ فى النظام الإقليمى، بل قد يكون جزءًا من طريقة عمله وإعادة إنتاج توازنه، 
ليصبح السؤال.. ليس لماذا يحدث التوتر، بل كيف يستمر دون أن يكتمل أو ينتهى؟

تلك هى الإشكالية التى نحاول مقاربتها فى هذه السلسلة:
هل نحن أمام صراعات تتولد من أسباب سياسية مباشرة ثم تتفاقم؟ أم أننا أمام بنية أعمق تحرص على اعادة تشكيل تلك الصراعات وتغذيتها وضبط إيقاعها بحيث تبقى داخل حدود معينة دون أن تنفجر بالكامل أو تختفى نهائيًا؟

ـ هنا نلاحظ ان "العدو" ـ فى التحليل السياسى او الاستراتيجى التقليدى ـ يُنظر إليه عادةً كطرفٍ ينشأ من صراع سياسى أو أمنى أو أيديولوجى.
بينما فى بعض البيئات الجغرافية، كمنطقتنا الإقليمية، فالعدو ليس دائمًا نقطة بداية ناشئة، بل نتاج مسارٍ طويلٍ من التفاعل السياسى والإعلامى والاستراتيجى.

ولعل فى هذا ما يفسر لماذا تبدو بعض الأزمات وكأنها تتجدد باستمرار دون أن تنفجر نهائيًا أو تُغلق نهائيًا. ببساطة لانها ليست أحداثًا منفصلة كما قلنا، بل حلقات متصلة داخل نمطٍ أكبر من التنظيم غير المعلن للتوتر، لا يقتصر على الفعل السياسى المباشر، بل يبدأ بالمجال الإدراكى المجتمعى، الذى يعيد صياغة وتشكيل صورة العدو.

أقصد أن صورة العدو لا تولد كاملةً ـ حسب تقديرى ـ بل تتشكَّل تدريجيًا، عبر تراكم من السرديات، والقرارات، والاصطفافات، والمواقف، والتجارب التاريخية، وحدود التهديد، ومعانى الأمن والخطر، عبر الزمن من خلال الإعلام، والخطاب السياسى، والذاكرة الشعبية الجمعية الثأرية لتاريخ سابق من المواجهات، بحيث يصبح من الصعب الفصل بين الواقع الموضوعى الملموس والصورة الذهنية التى ثبتت عنه، والحالة المصرية الشعبية خير دليل.

وهكذا، لا يصبح التهديد مجرد واقع خارجى، بل حقيقة مُدرَكة يتم تثبيتها وإعادة إنتاجها فى الوعى الجمعى فى تكرار مستمر دون حدود فاصلة.

ـ أما من جانب سياسات الدولة، ومع الوقت، لا يعود السؤال هل هناك تهديد فعلى لأنه موجود بالفعل؟.. بل السؤال كيف تُدار صورة هذا التهديد دون اثارة الوعى الجمعى الشعبى؟ وكيف يُستفاد من استمراره؟ وكيف يمكن تحويله إلى عنصر داخل توازنات الاستقرار؟

اقصد استثمار التهديد كأداة استقرار لا كحالة استثنائية، طالما لا يمكننى القضاء عليه نهائيًا، او ما لم يكن فى وسعى ملئ الفراغ الذى سيخلفه.

وذلك هو أحد أكثر الجوانب تعقيدًا فى فهم الديناميكيات الاستراتيجية التى تدير الشرق الأوسط ـ حسب تقديرى ـ حيث يعمل التهديد دائمًا كعامل فوضى، لا كعنصر ضبط للنظام الاقليمى، فى نفس الوقت الذى يجب أن يدفع فيه هذا التهديد الى ضرورة تشكيل التحالفات الاقليمية لخلق نوعٍ من التماسك السياسى فى لحظات الانقسام الذى يجلبه التهديد.
والمبادرة المصرية خير دليل على ذلك.

ـ هنا، لا يصبح التهديد مجرد مشكلة يجب حلها، بل يصبح “أداة تشغيل” ضمن نظام إقليمى سياسى متعقل، وأى محاولة لإزالته بالكامل دون استعداد كافٍ، لن تؤدى إلى استقرار فورى، بل إلى فراغ شاسع فى وظائف كان يؤديها ذلك التهديد داخل البنية القائمة، اهمها ضرورة التحالف الاقليمى كما قلنا.

ـ من هنا، يمكن فهم ظاهرة تكرار استمرار الصراعات دون الوصول إلى نقطة نهاية واضحة، ليس لأن الحلول مستحيلة دائمًا، بل لأن “الحسم الكامل” ليس بالضرورة الخيار الأكثر توافقًا مع منطق إدارة التوازنات، أو مع الطبيعية السياسية الاقليمية.

ـ وإن صح تقديرى وطرحى ـ من خارج الصندوق ـ لهذا النموذج ولو جزئيًا، فالسؤال ليس لماذا تستمر الصراعات فى الشرق الأوسط؟.. 
بل لماذا تتخذ هذه الصراعات هذا الشكل تحديدًا من الاستمرارية المنظمة؟..
ولماذا لا تتحول إلى تحالفات تفرض تسويات مستقرة ونهائية، أو إلى انفجارات شاملة تعيد تشكيل النظام بالكامل؟
ثم هل تنتهى الصراعات والتوترات اذا انتهت الازمة مع إسرائيل؟

الإجابة ليست بسيطة كما كنت أتوقع، فهى لا تتعلق بطرف واحد، ولا بقرار واحد، بل ببنية كاملة متشابكة، تتداخل فيها المصالح والتوازنات الاقليمية، والخطابات السياسية، والهواجس الأمنية، والتوازنات الدولية، لدرجة تجعل التغيير الجذرى ربما أكثر كلفة من إدارة الوضع القائم.

ـ هذا ما نحاول الاقتراب منه دون اختزاله، ودون أن ندَّعى تقديم إجابات نهائية، بل مجرد محاولة لتفكيك طبقات نمط "صناعة العدو" وكيف يتحول التهديد إلى أداة استقرار تقوم على إدارة الإدراكات قبل الوقائع؟ وكيف تتشكل المنطقة كمنظومة “إدارة تهديدات” أكثر من كونها ساحة صراعات تقليدية؟
او كيف يمكن لنظام إقليمى أن يستمر لعقود عبر إعادة إنتاج ما يفترض أنه مصدر اضطرابه؟
او هى افكار من خارج الصندوق.

هذا ما ستحاول هذه السلسلة تتبعه، خطوة بعد خطوة فى الحلقات القادمة ـ قدر جهدى المتواضع ـ مع من راق له الحديث فشرفنى بالمتابعة ـ على ثقل دم الموضوع وإطالة كاتبه ـ ذلك إن أذن الله، تعالى، وكان فى العمر بقية.
ولك يا مصر السلامة، وسلاما يا بلادى