الزاد
هناك مشاهد تمر أمامنا فى الشارع، فننظر إليها لحظة ثم نمضى، لكنها تظل عالقة فى العقل أطول مما نتخيل.
من هذه المشاهد التى توقفت أمامها طويلاً.. مشهد أب تجاوز الستينات من عمره يحمل على ظهره ابنه الشاب، الذى يبدو فى العشرينيات، وهو من ذوى الهمم.
هبط الأب من عربة المترو بصعوبة، يضع قدماً أمام الأخرى بحذر، كأن الأرض تتحرك تحت قدمه على غير المعتاد.
ثم توقف لثوانٍ قليلة.. يلتقط أنفاسه.. قبل أن يعيد تثبيت الابن على ظهره ويكمل السير.
لم يكن المشهد استثنائياً من حيث المكان؛ فمحطات المترو مليئة بالناس.
لكن ما كان استثنائياً هو ذلك الصمت الثقيل الذى يحيط بالمشهد.. صمت يجعل كل من يراه يدرك أن هناك حكاية كاملة تحكى بلا كلمات.
هذا الأب لم يحمل ابنه بدافع العاطفة وحدها، فالأبوة شعور عظيم، لكنها تفسر وحدها هذا العناء اليومى.
الحاجة هى التى دفعته إلى ذلك.
الحاجة إلى الحركة.. إلى الذهاب لطبيب.. إلى قضاء مصلحة.. أو ربما فقط إلى أن يعيش الابن حياته مثل الآخرين.
توقفت أتساءل:
مإذا يمكن أن يفعل المجتمع لهذا الرجل؟
لا أملك إجابة كاملة، لكننى أعلم يقيناً أن هناك ما يمكن فعله.
الدولة قادرة- إذا أرادت- على أن توفر وسيلة انتقال مناسبة لمن هم فى مثل هذه الحالة، وسيلة تحفظ كرامة الابن، وتخفف عن كاهل الأب الذى لم يعد جسده يحتمل هذا الحمل.
نحن لا نتحدث هنا عن رفاهية، بل عن حق إنسانى بسيط:
أن ينتقل إنسان من مكان إلى آخر دون أن يتحول الطريق إلى معركة يومية أو إلى نموذج للشفقة.
وهنا يطرح سؤال آخر: لماذا لا توجد حلول بسيطة يمكن أن تخفف هذا العناء؟
لماذا لا يوفر المترو عدداً من المقاعد المتحركة التى يمكن استخدامها من محطة الانطلاق إلى محطة الوصول، بحيث يحصل عليها من يحتاجها عند بداية الرحلة، ثم يتركها فى المحطة التى تنتهى عندها.
وتكون هناك مجموعة من العاملين مهمتهم إعادة توزيع هذه المقاعد بين المحطات، تماماً كما يحدث فى كثير من الخدمات العامة التى تعتمد على التداول وإعادة الاستخدام.
فكرة بسيطة.. لكنها كفيلة بأن تنهى مشاهد كثيرة من العناء الصامت.
بدلاً من أن نرى أباً مسناً يحمل ابنه على ظهره بين السلالم والأرصفة، أو رجلاً أو سيدة مسنة لا تستطيع قدمها أن تحملها، وبدلاً من أن يتحول الانتقال من مكان إلى آخر إلى رحلة شاقة،
يمكن بحل صغير أن نعيد شيئاً من الكرامة والراحة للمرضى وذويهم.
المشهد مؤلم.. لأن الحقيقة فيه مزدوجة.
فالابن من ذوى الهمم يحتاج إلى من يسنده.
والأب المسن الذى يحمله على ظهره.. يحتاج هو الآخر إلى من يسنده.
كلاهما يحتاج للمساعدة.
لكن المأساة أن كلاً منهما يحاول أن يكون سنداً للآخر.
فى هذا المشهد تختصر الحياة معنى التضامن الإنسانى فى أبسط صوره:
أب يرفض أن يترك ابنه وحيداً فى مواجهة العالم، وابن ربما يشعر بثقل وجوده على كتفى والده.. لكنه لا يملك خياراً آخر.
ولهذا يقاس المجتمع الحقيقى بقدرته على الانتباه إلى هذه المشاهد الصغيرة.. التى لا تظهر فى الإحصاءات، لكنها تكشف جوهر الرحمة فى أى مجتمع.
وربما كان السؤال الأهم:
ليس كيف حمل الأب ابنه كل هذه المسافة؟
بل:
إلى متى سيظل يحملـه وحده؟
ونحن- فى أفضل الأحوال- نقف متفرجين.
وقد نتمتم بكلمات تعاطف.. أو نخفض أبصارنا حرجاً..
وأقصى ما يمكن أن نفعله هو الشفقة.
الشفقة على أب أنهكه الحمل..
والشفقة على ابن أنهكته الظروف..
والشفقة على حال يجب ألا تكون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض