فى علم العلاقات الدولية، يستخدم تطبيق رياضى لدراسات التفاعلات الاستراتيجية بين أطراف عقلانية تحت اسم «نظرية المباريات – Game Theory» وذلك بهدف توقع النتائج، وتحليل سلوك اللاعبين المتنافسين. ووفقا لهذه النظرية؛ فالعناصر الأساسية لأى لعبة تعاونية كانت أما صراعية هى: اللاعبون مثل الدول، الفاعلون المسلحون من غير الدول، شركات. والعنصر الثانى يتمثل فى استراتيجيات كل لاعب وفاعل، والتى فى حالة العلاقات الدولية قد تأخذ شكل تهدئة، تصعيد، وتفاوض. ثم عنصر العوائد والنتائج الناجمة عن كل اختيار. وأخيرا، عنصر المعلومات ومدى معرفة كل طرف ولاعب عن الطرف الآخر. من أهم تطبيقات تلك النظرية؛ تطبيق «المعادلة الصفرية – Zero Sum Game» حيث مكسب أى طرف من أطراف اللعبة يعنى خسارة كاملة وصفرية للطرف أو بقية اللاعبين. وتطبيق «اللعبة غير الصفرية – NonZero Sum»، بمعنى أن فوز أحد الطرفين لا يعنى بالضرورة خسارة الآخر، ويمكن أن تكون النتيجة ربحا للجميع أو ضرر وخسارة للجميع، ما يشجع ويدفع إلى التعاون بديلا عن التنافس والصراع. ومن أشهر تطبيقات «نظرية المباريات» ما يطلق عليه تطبيق «معضلة السجين» حيث تعد مثالا نموذجيا على لعبة غير تعاونية تتعارض فيها الحوافز الفردية مع المصلحة الجماعية. ما يدفع كل لاعب لخيانة الآخر بديلا عن التعاون. لو طبقنا «نظرية المباريات» وتطبيقاتها على الحرب الدائرة الآن، نجد أن كل طرف من أطراف هذه الحرب يريد تطبيق نموذج «المعادلة الصفرية» والنصر المطلق فى مقابل خسارة كاملة للطرف الآخر المنافس. لكن مسار التصعيد المتبادل يذهب إلى سيناريو خسارة الجميع؛ الكل خاسر فى هذه الحرب. كل طرف يزيد من التصعيد السياسى والعسكرى، وحتى على مستوى التصريحات بهدف ردع الآخر، وحتى لا يبدو بمظهر الضعيف المتراجع، النتيجة استنزاف وتصعيد متبادل، وانتقال من لعبة صفرية إلى لعبة خاسرة للجميع. ولم تعد المشكلة فيمن يربح اللعبة، ويخرج منتصرا من هذه الحرب، حتى مع اختلاف مفهوم النصر من طرف لآخر. لكن عقدة هذه الحرب أن قواعد اللعبة نفسها، وبعد الخروج عليها وتجاوزها أصبحت تقود الجميع إلى الخسارة، وسياسات حافة الهاوية أصبحت هى الحاكمة. وحسابات التكلفة والعائد، المكسب والخسارة أصبحت مختلة لدى الجميع.
السيناريو الأقرب لمسار التصعيد فى المنطقة الآن، هو سيناريو «البجعة السوداء – Black Swan»، حيث القدرة على التنبؤ بمسار الحرب والصراع وتداعياتها فى أضعف مستوياتها، وحالة الغموض وعدم اليقين هى الحاكمة، فكل السيناريوهات معقدة وتنطوى على مخاطر كبيرة. وفى ظل غياب قواعد ضابطة، وتآكل مساحات التفاهم، وسيطرة منطق الردع المنفلت، فإن استمرار هذا المسار لا يعنى سوى نتيجة واحدة: اتساع دائرة الخسارة، وتآكل فرص السيطرة، واقتراب لحظة لا يمكن فيها لأى طرف أن يدّعى أنه خرج منتصرًا. هنا تحديدًا، لا تكون خطورة الحرب فى نتائجها فقط، بل فى مسارها ذاته… مسار إذا استمر، فلن يترك رابحًا، بل سيعيد تشكيل الجميع على وقع الخسارة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض