حكاوى
منذ نشأتها وعلى مدار عقود مضت تمتد إلى قرن، لم تكن جماعة الإخوان مجرد تنظيم سياسى أو حركة دعوية، بل تحولت إلى ظاهرة بشعة أثارت من الجدل والشقاق ما لم تثره حركة أخرى فى التاريخ الحديث. وعندما يتحدث المرء عن كراهية أو رفض هذا الفكر، فإنه ينطلق من موقف نقدى تجاه منهجية ترى فى المجتمع جاهلية وفى الوطن حفنة من تراب!
وهناك أسباب جوهرية تجعل من هذا التنظيم نموذجاً مرفوضاً لدى كل القطاعات الواسعة من الشعوب فى كل أنحاء العالم.
ويرتكز الفكر الإخوانى على مبدأ الولاء والبراء بمفهوم ضيق، حيث يتم تقسيم المجتمع إلى رجال الجماعة وهم المؤمنون الصادقون، والآخرون وهم أما ضالون أو أعداء. هذا الاستعلاء الإيمانى يخلق حاجزاً نفسياً واجتماعياً يجعل المنتمى للجماعة يعيش فى فيتو فكرى، حيث يرى فى ابن وطنه الذى يختلف معه فى التوجه عدوا للدين، مما يدمر فكرة المواطنة التى تقوم على المساواة بغض النظر عن المعتقد. ومن أكثر ما يثير الريبة فى سلوك الإخوان هو تعدد الوجوه. ففى الغرب، يتحدثون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، بينما فى القواعد الداخلية وبين الأنصار، يتم الترويج لفكر الحاكمية ورفض القوانين. هذه البراجماتية الفجة التى تصل إلى حد التضليل تجعل من الصعب الوثوق بعهودهم السياسية. فهم يستخدمون الديمقراطية كسلم للصعود، ثم ينقلبون عليها بمجرد التمكن. وهذا ما حدث بالفعل فى مصر ولا يخفى على أحد.
بالنسبة للإخوان الوطن ليس غاية فى حد ذاته، بل هو مجرد قاعدة انطلاق لمشروع وهمى هو الخلافة المتخيلة. هذا المفهوم يجعل مصلحة التنظيم الدولى مقدمة دائما على المصالح القومية للدولة. لقد أثبتت التجارب أن ولاء العضو للمرشد وقرارات المكتب يتجاوز ولاءه لدستور بلاده أو جيشها، وهو ما يمثل تهديدا وجوديا لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
أكبر خطيئة ترتكبها الجماعة هى إقحام الدين فى الصراعات السياسية اليومية. من خلال شعارهم الإسلام هو الحل. فهم يحولون الدين من منظومة قيمية وروحية سامية إلى أداة سياسية. هذا المسلك أدى لنتيجتين كارثيتين وهما تسطيح القضايا المعقدة مثل الاقتصاد والسياسة والتعليم، وتقديم حلول شعاراتية لا تسمن ولا تغنى من جوع. وقد شاهدنا ذلك خلال السنة الكبيسة التى اختلسوا فيها الحكم. وتدار الجماعة بعقلية التنظيمات السرية التى تعود لعصور قديمة. مبدأ السمع والطاعة يلغى عقل الفرد ويحوله إلى ترس فى آلة. هذا الانغلاق يمنع أى محاولة للإصلاح من الداخل، ويجعل الجماعة غير قابلة للنقد، حيث يعامل القادة كأنهم معصومون من الخطأ، وأى صوت معارض يتهم بالفتنة وهم صانعوها.
كما برع الإخوان فى استثمار الأزمات الاجتماعية والاقتصادية للتوغل فى الطبقات الفقيرة، وهم لا يسعون لحل مشاكل المجتمع، بل يريدون إبقاء الناس رهن مساعداتهم لضمان أصواتهم. كما أنهم يقتاتون على خطاب المظلومية. فدائما هناك مؤامرة كونية ضدهم، مما يمنعهم من المراجعة الذاتية والاعتراف بالأخطاء التاريخية التى ارتكبوها فى حق أنفسهم وأوطانهم.
ويظل تاريخ الجماعة ملطخاً بالاغتيالات السياسية مثل اغتيال النقراشى والخازندار، وما ارتكبته من جرائم بشعة فى حق المصريين ورجال الجيش والشرطة على مدار 15 عاماً مؤخراً. وهذه وصمة عار لا تمحى أبداً. إن المرجعية الفكرية التى أسسها الدموى سيد قطب فى «معالم فى الطريق» كانت المنبع الذى استقت منه جماعات العنف المتطرف شرعيتها. وهى فكرة تكفير المجتمع وعزلة الشعور هى التى مهدت الطريق لكل الخراب الذى شهدته المنطقة لاحقاً.
إن كراهية فكر الإخوان ليست كراهية للدين، بل هى انتصار للدولة المدنية، ولحق الفرد فى التفكير دون وصاية مرشد، ولحق الوطن فى أن يكون هو المرجعية الأولى والأخيرة. إن الشعوب التى جربت حكم الإخوان أو اقتربت منهم اكتشفت أنهم لا يملكون مشروعا لبناء المستقبل، بل يملكون فقط مشروعاً للتمكين لأنفسهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض