رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أمجد مصطفى يكتب: الثقافة… حين تعود إلى موقعها كأمنٍ قومي

بوابة الوفد الإلكترونية


في البداية، لابد أن أؤكد أن هذا المقال تأخر قرابة شهر، بسبب اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، ثم الاعتداء الإيراني غير المبرر على الأشقاء في دول الخليج. لكن، وبما أن أجواء الحرب لا تزال مستمرة معنا، كان لابد من نشره الآن، خاصة أنه يتعلق باجتماع مهم عقدته الدكتورة جيهان زكي مع قيادات وزارة الثقافة،قبل شهر تقريبا.
إلى نص المقال 
حسنًا فعلت الدكتورة جيهان زكي حين أعلنت أن محور رؤيتها هو «الإنسان المصري». فليست الثقافة رفاهية تُمارَس على هامش الحياة، ولا نشاطًا موسميًا يُستدعى في المناسبات، بل هي مشروع وعيٍ متكامل، يتصل اتصالًا مباشرًا بالأمن القومي وبمستقبل الدولة.
حين تضع وزيرة الثقافة المواطن في قلب الأولويات، فهي تعيد تصحيح بوصلة ظلت – في أوقات سابقة – تتأرجح بين الفعاليات الشكلية والاحتفالات الموسمية. أما اليوم، فالرؤية المعلنة تؤكد أن الثقافة «حائط صد معنوي»، وسياج يحمي الهوية من التشويه، ويصون الوجدان من العبث، في زمن لم تعد فيه الحروب تقليدية، بل صارت معارك احتلال العقول، عبر الشائعات وتزييف الوعي وحروب الأجيال الثالثة والرابعة.
قصور الثقافة… عودة إلى الجذور
الحديث عن قصور الثقافة ليس حديثًا عن مبانٍ، بل عن فلسفة. إنها امتداد لرؤية المفكر والوزير الراحل ثروت عكاشة، الذي أطلق مشروع «الثقافة الجماهيرية» في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، مؤمنًا بأن الثقافة حق للجماهير، وليست امتيازًا للنخب.
كانت تلك الرؤية تأسيسًا حقيقيًا لعدالة ثقافية سبقت عصرها. واليوم، حين تؤكد الوزيرة أن قصور الثقافة مشروع استراتيجي وأولوية قصوى، فهي تعلن العودة إلى روح الفكرة لا إلى شكلها فقط؛ فاستعادة الدور لا تعني الترميم الإداري، بل إحياء الفلسفة التي جعلت الثقافة جسرًا ممتدًا بين المبدع والمواطن في كل قرى ومدن مصر.
البناء على إرث الرواد
أجمل ما في الرؤية المطروحة أنها لا تبدأ من الصفر، ولا تتنكر لما سبق، بل تعلن بوضوح البناء على ما أنجزه الرواد، وفي مقدمتهم ثروت عكاشة وفاروق حسني.
الأول أسّس البنية الفكرية لمشروع ثقافي وطني شامل، وأنشأ أكاديمية الفنون التي أضاءت المشهد الفني عربيًا، والثاني وسّع دوائر الفعل الثقافي بمشروعات ما زالت تنير العقول حتى اليوم.
القاسم المشترك بين الرجلين لم يكن فقط امتلاك الرؤية، بل حسن اختيار القيادات. فالثقافة مشروع قيادات قبل أن تكون مشروع مبانٍ أو ميزانيات. ومن هنا، فإن أي نهضة حقيقية مرهونة بوجود أصحاب فكر، قادرين على ترجمة الرؤية إلى برامج، والبرامج إلى أثر ملموس في الشارع المصري.
الثقافة والعدالة الثقافية
توسيع رقمنة الإصدارات، وتطوير خطط الترجمة، وتعزيز الوعي بقيمة التراث، كلها خطوات تعكس إدراكًا بأن الثقافة المصرية ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل رسالة حضارية موجهة إلى العالم. فمصر، التي قدّمت نموذجًا عالميًا في إنقاذ تراثها والتعاون الثقافي الدولي، قادرة على أن تعود بقوة إلى مشهدها الطبيعي، حين تتكامل مؤسساتها من هيئة الكتاب إلى دار الكتب، ومن قطاع الفنون التشكيلية إلى المسرح والمركز القومي للسينما.
كما أن ربط العمل الثقافي بالمبادرات القومية، وفي مقدمتها مبادرة حياة كريمة، يعكس فهمًا عميقًا لمفهوم «العدالة الثقافية»؛ أي أن تصل المعرفة والجمال إلى كل قرية ونجع، لا أن تظل حبيسة العاصمة.
ما نأمله
كل ما نرجوه أن يُستكمل هذا الطرح الجاد بإعادة النظر في بعض القيادات، واختيار من يمتلك الفكر قبل المنصب، والرؤية قبل اللقب. فالمعركة الآن معركة وعي، ولا تُخاض إلا بعقول مستنيرة، تؤمن بأن الثقافة ليست نشاطًا إداريًا، بل رسالة وطن.
لقد كانت الثقافة المصرية، في عهودها الزاهرة، تقود ولا تُقاد، تؤثر ولا تتأثر، تصدّر الفكر والفن إلى محيطها العربي والدولي. وإذا كانت الوزيرة قد أعلنت النية في البناء على إرث عكاشة وحسني، فإن الطريق يبدأ من الإيمان بأن الإنسان هو الغاية، وأن الوعي هو السلاح، وأن الثقافة – بحق – أمن قومي.
ما أعلنته الوزيرة هو جوهر عمل الوزارة، و   على من تابع كتاباتنا خلال السنوات  الأخيرة  ،سيجد اننى طالبت كثيرا بما جاء فى الاجتماع فقد ظللنا نطرق الباب نفسه، ونؤكد أن الثقافة ليست زينة أو صورة يكتمل بها المشهد أو كمالة عدد، بل مشروع وعي، وأنها خط الدفاع الأول عن الدولة، وأن قصور الثقافة ليست مبانيَ تنتظر الصيانة، بل فكرة وطنية يجب أن تُستعاد بروحها الأولى.
كتبنا مرارًا أن المعركة الحقيقية لم تعد بالسلاح التقليدي، بل باحتلال العقول، وأن الاستثمار في الوعي أمر لا يحتمل التأجيل. دعونا إلى اعتبار الثقافة أمنًا قوميًّا، وإلى إعادة الاعتبار للأقاليم، وإلى اختيار قيادات تمتلك الفكر قبل المنصب. وربما بدا الصوت أحيانًا منفردًا، لكنه لم يكن معزولًا عن رغبة الكثيرين مثلى.
اليوم، حين تتبنى وزارة الثقافة هذا المنهج بوضوح، فإن الأمر يتجاوز حدود التوافق في الرأي؛ إنه تأكيد أن الفكرة كانت صحيحة، وأن الطريق الذي نادينا ضرورة وطنية.
ويبقى الرهان الأكبر: التنفيذ. فالمشروعات الكبرى لا تقوم بالشعارات، بل برجال ونساء يؤمنون بأن الثقافة رسالة، وبأن بناء الإنسان هو المشروع الأسمى لأي دولة تريد أن تحمي حاضرها وتضمن مستقبلها.
أتمنى أن تتابع دكتور جيهان زكى بنفسها تنفيذ هذه المحاور .
وفى الختام ، لا يمكن إغفال أن المهمة الملقاة على عاتق الدكتورة جيهان زكي ليست بالهينة، بل هى مسؤولية ثقيلة فى توقيت بالغ الدقة، تتقاطع فيه تحديات الداخل مع تعقيدات الإقليم. الثقافة صارت خط الدفاع الأول عن الوعى، والرهان الحقيقى فى معركة بناء الإنسان. ومن ثم، فإن ما ينتظر الوزيرة ليس مجرد إدارة ملفات، بل صياغة رؤية قادرة على تأكيد الدور التنويرى لمصر، وهو عبء كبير.