تأملات
حتى فترة غير قصيرة مضت من عمرى كنت أعتبر بتفكيرى البسيط أننا انتصرنا على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل فى الحرب التى جرت عام 1956 ودرجنا على وصفها بالعدوان الثلاثى. ومع كل عام وفى يوم 23 ديسمبر الذى اعتبر إجازة رسمية فى الدولة كان الشعور بالنصر يتجدد إلى أن تلاشى سواء بفعل ازدياد وعيى أو على وقع إلغاء الإجازة الاحتفالية بما كان يعتبر نصرا.
فمع مزيد من القراءة بدا لى أن الأمر لا يتجاوز كونه نصرا سياسيا، بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ، استطاعت مصر معه دحر قوى العدوان وأن تفشل أهدافه لأسباب عدة يرتبط أغلبها بالظرف التاريخى القائم آنذاك أكثر منه بما كان يدور على الأرض من قتال.
أستدعى هذا الأمر فى هذه السطور على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية التى تدور رحاها الآن وتقترب من الشهر، وتسير بالمنطق ذاته بشكل دعا أحد المحللين الغربيين إلى المماثلة بينهما باعتبار أن حرب السويس 56 كانت بداية الإنهيار للإمبراطورية البريطانية، وأن حرب إيران ربما تكون بداية النهاية – من وجهة نظره – للولايات المتحدة. هذا التمييز الدقيق الذى أشير إليه هنا يبدو بالغ الأهمية للفصل بين المواقف المتنازعة من قبل المتابعين للحرب ما بين مهلل لنصر إيرانى وما بين ناعق بانتصار ساحق ماحق للعدوان.
وللحقيقة ومن أجل تغليب المنطق، فإن الخاسر الأكبر من هذه الحرب هى إيران التى ربما تخرج منها منكفئة على ذاتها لفترة يصعب تقديرها لن تقل بأى حال عن عقدين من الزمان فى ترميم ذاتها واستعادة حيويتها وقدرتها. إن إيران فى أسوأ الأحوال ستخرج من الحرب وقد قلمت أظافرها وانحسرت قواها فى حدود الداخل دون أذرع طويلة فى الخارج أو غير طويلة إن لم يصل الأمر لحد حالة من التشرذم الداخلى قد تتسع وتتشعب تأثيراتها. ليس فى ذلك ترويج لمنطق الانهزام وإنما هى قراءة لواقع الأحوال فى حدود ما يجرى من عمليات أمريكية إسرائيلية على الأرض وما تم الكشف عنه من مخططات.
غير أنه على الجانب الآخر لا يجب إغفال أن إيران فى الحرب التى فرضت عليها ولم تسع إليها يبدو أنها استعدت لها جيدا، ففرضت حالة رفعت معها كلفة ما يمكن أن يعتبره العدو نصرا، إلى الحد الذى قد يكون بمنطق الأشياء هزيمة سياسية وهذا ما هو حاصل الآن مع الإدارة الأمريكية بالتحديد، بعيدا عن تابعتها إسرائيل التى تريد حكومتها مواصلة الحرب بأى السبل باعتبار أن الظروف توفر فرصة تاريخية للقضاء على ما تراه خطرا إيرانيا.
ورغم التباين الشاسع بين مستوى القوة الأمريكية وامتدادها الممثلة فى القوة الإسرائيلية مقارنة بما عليه القوة الإيرانية، إلا أن الحرب بينهما سجال إلى الحد الذى يوحى بالتناظر فى مستوى الإمكانات العسكرية. إذا أضفنا إلى ذلك الحالة السياسية والتى للأسف لا تصب فى صالح إيران فى ضوء هيمنة إدارة ترامب على مقدرات النظام الدولى أمكن لنا إدراك ضراوة المعركة التى تخوضها طهران، وتصور حجم المنجز سواء على الصعيد العسكرى أو السياسى والذى يجعل البعض يصل لحد الشعور بالنشوة من «إنجازاتها» فى مواجهة العدو.
ويبدو ذلك واضحا فى اللهاث البيّن دون مبالغة من قبل إدارة ترامب، لوقف الحرب، بعد أن ثبت أن حساباته فيها كانت خاسرة. وكما يقال فى مثل هذه المناسبات، فإن الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، وإذا لم يكن لنا أن نتوقع نصرا عسكريا إيرانيا على الأعداء، فإن كسر إرادة الهيمنة الأمريكية ربما يكون أفضل تعبير عن مفهوم النصر السياسى الذى نقصده.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض