تتردد هذه العبارة على ألسنة بعض الناس في مقام الدعاء، وتُنسب أحيانًا إلى الصالحين، ويُظن بها فضل خاص. غير أن الواجب العلمي يقتضي الوقوف معها وقفة تحقيق: ما مصدرها؟ وهل قال بها السلف؟ وما حكمها الشرعي؟ وهل فيها مخالفة عقدية؟
أولًا: من حيث المصدر في كتب التراث
هذه الصيغة لا تُعرف في دواوين السنة المعتمدة، ولا في كتب الأدعية المأثورة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ككتب الحديث الصحاح والسنن والمسانيد، ولا في كتب الأذكار المشهورة.
وأقرب ما تُنسب إليه هذه العبارة هو بعض الكتب المتأخرة، خاصة في دوائر التصوف أو عند بعض متأخري الشيعة، حيث ترد في سياقات إنشائية أو أدعية غير مسندة.
أما في كتب التراث السني المعتبرة، فلا يُعرف لها إسناد صحيح ولا أصل ثابت.
ثانيًا: هل دعا بها السلف الصالح؟
لم يُنقل عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أئمة الهدى، أنهم كانوا يدعون بهذه الصيغة.
ولو كان فيها فضل معتبر، لنُقل إلينا كما نُقل غيرها من الأدعية الجامعة.
بل الثابت عنهم أنهم كانوا يلتزمون في الدعاء بما:
ورد في القرآن الكريم
أو ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم-
أو كان خاليًا من التكلف والغلو
ثالثًا: من حيث المشروعية والحكم فإن
الأصل في الدعاء أنه عبادة توقيفية من حيث الصيغ المفضَّلة، لكن يجوز للإنسان أن يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة بشرط سلامة المعنى.
وهنا نصل إلى هذه الصيغة، فنجد أنها تتضمن:
التوسل بـ "حق" أشخاص (فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها)
والإشارة إلى "السر الكامن فيها"، وهي عبارة موهمة غير منضبطة
ولهذا اختلف العلماء في مثل هذا النوع من التوسل:
فمنهم من منعه سداً للذريعة
ومنهم من أجازه بشروط، لكنه لم يقر هذه الصيغة بعينها
والأحوط والأولى تركها؛ لعدم ثبوتها، ولما فيها من إجمال وإيهام.
رابعًا: هل في هذه العبارة مخالفة عقدية؟
يمكن النظر إليها من زاويتين:
1. من جهة القصد:
إن قصد الداعي مجرد التوسل بمحبة آل البيت، دون اعتقاد تأثير ذاتي لهم، فهذا أخفّ.
2. من جهة اللفظ:
قول: "بحق فلان" محل خلاف بين العلماء
وقول: "السر الكامن فيها" عبارة مبهمة قد تُفتح بها أبواب الغلو، خاصة إذا فُهم منها معنى باطني أو اعتقاد خاص
ومن هنا قال أهل العلم:
إن الألفاظ المحتملة التي قد تُفضي إلى الغلو، الأولى تركها سداً للذريعة وحفظًا لصفاء التوحيد.
خامسًا: البديل المشروع
الأدعية الصحيحة كثيرة، وفيها الغنية والكفاية، مثل:
التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى
أو بالأعمال الصالحة
أو بدعاء الصالحين
وكلها طرق ثابتة لا خلاف فيها.
خلاصة منشور النقاش:
هذه العبارة لا أصل لها في السنة ولا في عمل السلف
لم تُعرف بإسناد معتبر في كتب التراث المعتمدة
تتضمن ألفاظًا مختلفًا فيها، وبعضها موهم
والأولى تركها، والاقتصار على الأدعية الثابتة الواضحة
فمحبة آل البيت – وعلى رأسهم السيدة فاطمة رضي الله عنها – دين وولاء،
لكن تعظيمهم لا يكون بمخالفات عقدية أو ألفاظ غير منضبطة،
وإنما باتباع هدي النبي- صلى الله عليه وسلم- الذي هو أعظم حقًّا، وأصدق قيلا.
العميد السابق لكليتي الإعلام واللغة العربية جامعة الأزهر
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض