رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

في الأيام الأخيرة، شهدت الساحة حالة من الجدل الواسع حول دعاء الدكتور السيد عبد الباري، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، خلال خطبة العيد التي أقيمت في مسجد "الفتاح العليم" بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور رئيس الجمهورية وكبار قادة الدولة، واستمر الجدل حول مشروعية الدعاء ودلالاته الدينية والسياسية حتى بدا وكأن الأمر قد خرج عن إطاره الطبيعي، وتحول إلى ساحة صراع بين مؤيد ومعارض، في صورة من التضارب غير المنضبط التي لا تليق بطبيعة الخلاف الفقهي في مثل هذه المسائل.

والحقيقة أن النظر إلى هذا الدعاء يجب أن يكون من زاوية أوسع وأكثر هدوءًا؛ إذ إن هناك من العلماء من يجيز الاستغاثة بأولياء الله الصالحين، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى أن هذا الفعل داخل في دائرة الجواز الشرعي، وهي وجهة نظر معتبرة ولها أسانيدها واجتهاداتها المعروفة في التراث الإسلامي.

وفي المقابل، هناك اتجاه آخر يرى أن الدعاء لا يحتاج إلى واسطة بين العبد وربه، مستندًا إلى قوله تعالى: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب”، حيث جاءت الآية بحذف الواسطة، بما يعكس مباشرة العلاقة بين الإنسان وربه دون وسائط. وهذه أيضًا وجهة نظر محترمة ومقدرة، ولها حضورها القوي في الفكر الإسلامي.

وبين هذين الرأيين، يبقى الأصل هو أن هذا الخلاف خلاف معتبر، لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة للإنكار أو التخوين أو التشكيك في النيات.

فصاحب الدعاء لم يُجبر أحدًا على تبني رأيه أو ترديده، كما أنه لا يصح في المقابل إلزامه بتركه، وهو ما يتسق مع القاعدة التي قررها الإمام جلال الدين السيوطي حين قال: “لا يُنكر المختلف فيه، وإنما يُنكر المجمع عليه”.

لكن، ورغم مشروعية الخلاف، تبقى المسؤولية قائمة، خاصة على عاتق الخطباء والدعاة، في ضرورة التحلي بالحكمة والوعي بطبيعة الجمهور، والحرص على تجنب القضايا التي قد تثير الجدل أو تفتح أبوابًا للخلاف والبلبلة. فالأولى دائمًا هو تقديم ما هو متفق عليه، وترك ما قد يُستغل لإثارة الفتن أو الشكوك.

أما ما أُثير من اتهامات بأن هذا الدعاء يعكس توجهًا نحو التشيُع، فهو طرح مبالغ فيه، ولا يستند إلى قراءة موضوعية للواقع، ومزايدة على الرجل، وكونه دعى بهذا الدعاء لايلزم منه اتجاه مصر إلى التشيع، كما أن هذا كلام يؤثر على العلاقات بيننا وبين أشقائنا من دول الخليج فهو يضر سياسة ،ويخدم الأعداء.
والأخطر من ذلك، أن هناك من يتعمد استغلال مثل هذه القضايا، والاصطياد في الماء العكر، لتحقيق أهداف خفية، وهو ما يستدعي قدرًا أكبر من الوعي في التعامل مع ما يُطرح، وعدم الانجرار خلف كل ما يُثار دون تمحيص.
وفي مثل هذه الحالات، ربما يكون الحل الأمثل هو أن تستمر القافلة في السير دون الإلتفات إلى محاولات التشويش، وترك الجدل يتلاشى مع الوقت، فالأصوات المرتفعة لا تعني بالضرورة قيمة ما يُقال، ولا تستحق دائمًا أن تُمنح أكثر مما تستحق من اهتمام.

في النهاية، تظل مثل هذه القضايا اختبارًا حقيقيًا لمدى نضجنا في إدارة الخلاف، فليس كل اختلاف معركة، ولا كل رأي يستحق هذا القدر من الضجيج، والوعي الحقيقي لا يكون بإلغاء الآخر، بل باحترامه، وإدراك أن تنوع الآراء في المسائل الاجتهادية كان وسيظل جزءًا من ثراء هذا الدين، لا سببًا للفرقة.

عضو لجنة الفتوى وأستاذ اللقه المقارن بجامعة الأزهر