ُجملةُ دعاءٍ واحدةٌ وردتْ في خُطبة العيد المذاعة على الهواء بحضور جمْعٍ من رجالات الدولة أثارت ما أثارت من الضجيج ذي النبرة العالية والصدى الواسع داخلياً وخارجياً إذ قال الداعي : "اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، والسر الكامن فيها ألا تجعل لمصر حاجةً عند لئيم"
وتباينت المواقفُ ما بين مسوِّغٍ ومُستهجِنٍ، وحتى لا يخرجنا الجدل من سعة الاختلاف إلى شطط الخلاف كان لابد من معرفة ما اعتمد عليه المسوِّغون هذه الطريقة من الدعاء إذ قالوا:
★إن دراسة الداعي وما شَغَله من وظائفَ داخل المؤسسة الدينية الرسمية تجعله مُتحقِّقاً من صواب ما قال.
★إن هذا الدعاء جائزٌ شرعاً باتفاق المذاهب السنيَّةِ الأربعةِ التي تجيز التوسُّل بالأنبياء والصالحين.
★إن حاصل هذا الدعاء توسلٌ لله عز وجل بالنبي المصطفى وعِتْرته أهْلِ الكساء ألا يجعل لمصر حاجةً عند لئيم، ولا خلافَ في أننا نصلِّي على آل بيت النبي في التشهد كل صلاة.
★إن السر الكامن لفاطمةَ الزهراءِ نابعٌ من"الولَد سرّ أبيه"فهي أشبه أولاد النبي به ظاهراً وباطناً وهي سبب بقاء الدماء النبوية الزكية في الأمة الإسلامية.
هذا ما اعتمد عليه المسوِّغون لقبول لغة الدعاء، ومن البديهيات أو من البدهيات "أجازها مجمع اللغة العربية"أن الدعاءَ عبادةٌ توقيفية قال تعالى:"وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"وعن النعمان بن بشير, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ" وقرأ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) وأيةُ عبادةٍ لها ضوابطُ عقدية وفقهية ويأتي مفْتتَحُ الدعاء بقوله: "أسألك بحق فاطمة".. مفْتتَحٌ يثبت حقًّا لمخلوقٍ على الخالق،وهذا أخطر ما فيه ؛ إذْ فيه ادعاءٌ أن هناك حقاً على الله لمخلوقٍ استناداً لفضل ذلك المخلوق ومنزلته؛ومن الثابت عقدياً أن المخلوقَ لا يستحق على الخالق شيئاً إلا ماثبت بنصٍّ قطعي مثلما ورد في حديثٍ شريف أن حق العباد على الله ألا يعذِّبَ من لا يشرِك به وهو حقُّ تفضُّلٍ، وأن عطاء الله بفضله لا باستحقاق المخلوق.
وإذا أتينا إلى التوسل فمنه ما هو مشروعٌ: كالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته أو التوسل بعملٍ صالحٍ للداعي نفسه(مثلما وَرَد في قصة الثلاثة الذين حبستهم الصخرة في الغار)،أو التوسل بدعاء رجلٍ صالحٍ حيٍّ حاضِرٍ ( كما في استسقاء ابن الخطاب بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أويْس القرني)، أما التوسُّل بغير ذلك بدعةٌ لا أصْلَ لها، والداعي هنا يتوسَّل بذات الزهراءِ وجاهها وسرِّها وهو ما أنكره علماء السلف اتفاقاً، فإذا أتينا إلى قوله "والسر الكامن فيها فلا أصلَ له في الكتاب أو السنة أو كلام الصحابة بل هو من مصطلحات الصوفية التي توحي بأن لفاطمة الزهراء رضي الله عنها مزيَّةً خفيَّةً أو سراً باطنياً يُستَشْفَع به،وذلك لا أصل له، ولم يَرِدْ أن دعا النبي ـصلى اللّه عليه وسلم-بما يشبه ذلك،أو علَّم احداً من الصحابة شيئاً من ذلك رغم أن الدعاء من أوسع الأبواب التي كان يعلِّم فيها أصحابه!!
ولو ذهبنا لاستطلاع آراء رؤوس المذاهب الأربعة في طريقة هذا التوسُّل لوجدنا مثلاً أن "أبا حنيفة" نصَّ على كراهته؛فالمسألةُ بخَلْقه لا تجوز و"ابن تيمية" يقول: "والكراهية في كلام السلف كثيراً وغالباً يُراد بها التحريم"، وأما الإمام "مالك": فلم يُنقَل عنه جواز هذا النوع من التوسل،بل المعروف عن"مالك" أنه كره للداعي أن يقول: يا سيدي سيدي، وقال: قل كما قالت الأنبياء: يا رب، يا رب، يا كريم؛فإذا كان "مالك" يكره مثل هذا الدعاء، إذ لم يكن مشروعاً عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبيًّا كان أو غيره؟!، وأما الإمام"أحمد"فقد نقل"ابن تيمية" عنه مشروعية التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وقد يرى البعض أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يرون جواز التوسل بجاه النبي كما يقول"ابن تيمية": "وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم، لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرعٌ ذليلٌ يسأل بسبب يناسب الإجابة،والمُقْسِم أعلى من هذا"
نحن كمصريين نتقرب إلى الله بحب آل البيت ونترضَّى عنهم لكنما دون غُلوٍّ أو شَططٌ مثلما وقعت فيه طوائفُ أُخَر، ولعل الدعاء بهذه اللغة لامَسَ السطح المتوتِّر أو المتفجر للأحداث الحالية، واستدعى إرْثاً تاريخياً طويلا من الخلاف؛ لكن لا نريد أن نجعل منه باباً للاتهام،وربما كان الأمر اجتهاداً باعتياد الرجل خطابا صوفيا حال وقوفه بين يدي الله فليظل الأمر محصورا في دائرة الاختلاف دونما اتهامٍ لمن يعترض بالجهل أو السطحية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض