ارﺗﻔﺎع اﻟﺘﺬاﻛﺮ ﻳﺤﺮم أﺑﻨﺎء اﻷﻗﺎﻟﻴﻢ ﻣﻦ »ﻟﻤﺔ اﻷﺣﺒﺎب«
«باسم»: حسبتها لقيت السفر هيكلفنى أكتر من 3000 جنيه.. اضطريت ألغيه
«أم مصطفى»: استلفت عشان أرجع بلدى.. الأسعار بقت فوق طاقتنا
محمود عامل يومية: مواصلات العيد تساوى شغل أسبوع.. أسيب شغلى وأسافر إزاى؟
شاب مغترب: العيد من غير أهلى ملوش طعم.. بس المصاريف أقوى منى
بالتزامن مع عيد الفطر المبارك، تتحول مصر إلى خريطة من الحنين الممتد بين المدن الكبرى والقرى البعيدة، حيث يحمل آلاف العاملين والمغتربين حقائبهم عائدين إلى جذورهم لقضاء أيام العيد وسط العائلة. إلا أن هذا المشهد الذى اعتاده المصريون لعقود، بات هذا العام مهدداً بشكل غير مسبوق، بعدما قفزت أسعار تذاكر السفر عبر الباصات والميكروباص إلى مستويات أرهقت ميزانيات الأسر، ووضعت الكثيرين أمام خيار قاسٍ: إما العيد مع الأهل أو الاستقرار المالى.
فى أحد أحياء القاهرة الشعبية، يجلس عبدالرحمن، شاب فى أوائل العشرينيات، يتأمل شاشة هاتفه فى صمت. منذ أشهر، ترك بلدته فى الأقصر وجاء إلى العاصمة بحثاً عن فرصة عمل، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً، وهو أن يعود فى العيد محملاً بالهدايا والاشتياق، لكن الواقع كان أقسى مما توقع، يقول بصوت منخفض: «أنا من أول رمضان وأنا بعدّ الأيام عشان أرجع.. بس لما سألت عن سعر التذكرة حسيت إن الموضوع خرج عن قدرتى».
يوضح «عبدالرحمن» أن سعر الرحلة الواحدة تضاعف تقريباً مقارنة بالعام الماضى، ومع حساب تكاليف الذهاب والعودة، بالإضافة إلى مصاريف العيد والهدايا، أصبحت الرحلة تمثل عبئاً مالياً يفوق دخله الشهرى. «أنا شغال عشان أفرح أهلى، مش عشان أرجع لهم مفلس»، يضيف بابتسامة تخفى الكثير من الخيبة.
هذه المعاناة لا تختلف كثيراً عند باسم، شاب ثلاثينى من أسيوط، يعمل فى القطاع الخاص بالقاهرة، ويعول أسرة صغيرة. بالنسبة له، العيد ليس مجرد زيارة عائلية، بل فرصة لتعويض أطفاله عن غياب الجد والجدة طوال العام. لكنه هذا العام وجد نفسه عاجزاً عن تحقيق ذلك.
يقول باسم: «حسبتها بالأرقام.. أنا وزوجتى وطفلين، التذاكر رايح جاى عدت 3000 جنيه، ولسة فى مصاريف العيد هناك.. الموضوع بقى صعب جداً»، يضيف أن القرار لم يكن سهلاً، خاصة مع إلحاح أطفاله على السفر، لكنه اضطر فى النهاية للبقاء فى القاهرة. «هقضى العيد هنا.. بس أكيد مش هيبقى نفس الإحساس».
ولا تقتصر الأزمة على الشباب والأسر فقط، بل تمتد إلى كبار السن الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين الحاجة للسفر وارتفاع التكلفة. الحاجة أم مصطفى، سيدة ستينية من سوهاج، جاءت إلى القاهرة لزيارة ابنها، وكانت تخطط للعودة قبل العيد بيومين. لكن المفاجأة كانت فى سعر التذكرة.
تقول بحزن: "أنا كنت حاطة فلوس على قد الرجوع، لكن السعر زاد فجأة.. اضطرّيت أستلف عشان أرجع بلدي". تضيف أن الزيادة لم تكن تدريجية، بل جاءت دفعة واحدة مع اقتراب العيد، ما جعلها تشعر بأن "الغلابة هم اللى بيدفعوا التمن دايماً".
أما الفئة الأكثر تضرراً، فهى العمالة غير المنتظمة، التى تعتمد على دخل يومى بالكاد يغطى احتياجاتها الأساسية. محمود، عامل بناء من قنا، اعتاد أن يسافر كل عيد لقضاء يومين مع أسرته، قبل أن يعود سريعاً إلى عمله. لكن هذا العام، تبدو الرحلة شبه مستحيلة.
يقول محمود: "أنا يوميتى حوالى 150 جنيه.. يعنى عشان أسافر هدفع شغل أسبوع أو أكتر بس فى المواصلات.. أسيب شغلى وأسافر إزاى؟". يتوقف قليلاً قبل أن يضيف: "يمكن العيد يعدى وأنا هنا.. زى أى يوم عادى".
فى مواقف السفر الرئيسية، تتجسد الأزمة بشكل أكثر وضوحاً. الزحام يتزايد، والوجوه تحمل مزيجاً من القلق والترقب، فيما تدور مفاوضات مستمرة بين الركاب والسائقين. البعض ينجح فى إيجاد مقعد بسعر "مقبول"، بينما ينسحب آخرون بعد صدمة الأسعار.
ويرى متابعون أن هذه الزيادات تعود فى جزء كبير منها إلى ارتفاع أسعار الوقود مؤخراً، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة التشغيل بالنسبة للسائقين، سواء فى الأتوبيسات أو الميكروباص. لكن مع زيادة الطلب الموسمى قبل العيد، تتضاعف المشكلة، حيث ترتفع الأسعار بوتيرة أكبر من المعتاد، فى ظل غياب رقابة فعالة على التسعير فى بعض الخطوط.
وبينما يبرر بعض السائقين هذه الزيادات بارتفاع التكلفة، يرى الركاب أن هناك "مغالاة" واضحة، خاصة فى الأيام القليلة التى تسبق العيد. يقول أحد الركاب فى موقف السفر: "إحنا فاهمين إن فى زيادة فى البنزين، بس مش للدرجة دى.. الأسعار بقت بتتحدد حسب الزحمة مش حسب التكلفة".
ورغم كل هذه التحديات، لا يزال العيد يحتفظ بمكانته الخاصة فى قلوب المصريين. ففكرة "الرجوع للبيت" تظل حلماً سنوياً لا يمكن تعويضه بسهولة. لكن مع استمرار الضغوط الاقتصادية، يبدو أن هذا الحلم أصبح بعيد المنال للبعض، على الأقل فى الوقت الحالى.
المفارقة هنا أن العيد، الذى يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتقارب، أصبح لدى كثيرين مناسبة لإعادة الحسابات، ومراجعة الأولويات. فبدلاً من شراء الكعك والملابس الجديدة، ينشغل البعض بحساب تكلفة تذكرة سفر، وقد ينتهى بهم الأمر إلى إلغائها.
وفى ظل هذه الظروف، تتزايد الدعوات لضرورة ضبط أسعار النقل خلال المواسم، خاصة مع اعتماد شريحة كبيرة من المواطنين على وسائل النقل البرية كخيار وحيد للسفر بين المحافظات. كما يطالب البعض بطرح بدائل مخفضة أو رحلات إضافية بأسعار مناسبة، لتخفيف الضغط عن المواطنين فى مثل هذه المناسبات، لكن حتى تتحقق هذه الحلول، سيظل المشهد كما هو: حقائب جاهزة لم تُفتح، وقلوب معلقة ببيوت بعيدة، وعيد يأتى على البعض بطعم مختلف.. طعم الغربة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض