اتحمس كثيرا لقرار رئيس مجلس الوزراء بإعادة هيكلة عدد من الهيئات الحكومية على رأسها الهيئة لوطنية للإعلام ولكنى أنصح بالتعامل مع قرارات الهيكلة وفقا للأطر الحاكمة في كل هيئة فالموهبة والأبداع هي العنصر المهم والمحرك القوي للهيئة الوطنية للإعلام رغم أن الروتين و البيروقراطية قتلت كثير من المواهب داخل الهيئة وبعد أن كانت المؤسسات الإعلامية الرسمية خلية نحل ودأب متواصل لتحقيق إبداعات فنية كبيرة على كافة المستويات تبدو الآن وكأنها خرجت من الزمن مبانٍ شاهقة واستوديوهات واسعة وأرشيف ضخم لكن الروح غائبة مجرد تسيير للأمور لمجرد أن تظهر الصورة علي الشاشة فقط لا ليكون العمل متميزا ومبهرا وجميلا وجذابا
هذه الأزمة لم تعد مجرد نقص في معدات أو تمويل، بل أزمة خلل في الرؤية لم تُحسن قراءة مواهب الهيئة أو قدراتها وأمكانيتها بل أعازت ذلك إلي مشاكل متعلقة بالمعدات والتمويل ورغم أن ذلك مهم ولكن في ظل غياب رؤية واضحة وعدم دراية بالمواهب داخل الهيئة ستهدر الإمكانيات وتضييع الكفاءات.
للأسف ما تزال الأمور في الهيئة الوطنية للإعلام تدار بعقلية روتينية قديمة حيث يكافأ الموظف على انتظامه في التوقيع أكثر مما يُكافأ على اجتهاده ولو حتى في صياغة قصة تلفزوينية متفردة أو أي عمل فني مبدع، حتى تحول المبدعون في الإعلام إلى موظفين وتحول المدير من قائد إبداعي إلى مراقب انضباط يخشى من المواهب فغاب الإعلاميون عن المشهد الإعلامي والذين كانوا بمثابة المايسترو الذي يفهم إيقاع الصورة وتأثيرها؛ لتحل محلهم عقلية تسيير الأعمال تخشى التغيير وترتعش من التطوير
المواهب في معظمها لا تحتمل الركود وتمل من البيروقراطية لأنها تشعر بأن قدراتها تُختزل في مهام روتينية لذا بحث كثير من كفاءات الهيئة ومواهبها عن نافذة أخرى في صمت بالغ ومنهم من بحث عن عمل أخر
الأخطر في ذلك أن هذا النزيف لا يُرى بوضوح من داخل المؤسسة حتى أصبح هناك فجوة بين المسؤول والموظف بين العدد والقيمة، والجميع يعرف أن المتميز غالبًا ما يُنظر إليه باعتباره مصدر إزعاج غير مقصود، لأنه يرفع من سقف التوقعات ويكشف عن الفجوات ودائما الإدارة تُفضل الاستقرار على التحدي
الهيكلة والتطوير أمران متلازمان و مهمان جدا خاصة في ظل وجود فجوة واضحة بين جيل من الإدارة تشكل وعيهم الإعلامي في عصر البث الأرضي والرسالة الأحادية الاتجاه بينما هناك جيل من المواهب وُلد في زمن التفاعل الفوري وصناعة المحتوى المتعدد المنصات الأول يفكر في الانتشار والتأثير وليس السيطرة والانضباط.
الجمهور اليوم يريد أن يكون جزء من الحدث أو يشعر بالخبر أو بالمادة المنقوله له وبسرعتها في الوصول إليه وهذا ما جعلنا نشاهد التلفزيون وكأنه شاشة بلا ملامح وبرامج بلا أي بصمة
التمويل الحكومي للتلفزيون مهم و قد يضمن البقاء للمؤسسات الإعلامية لكنه لا يصنع التأثير وسيبقى قائمًا شكليًا، لكنه منفصل وجدانيًا عن الناس ومع اتساع البدائل سيتحول الجمهور إلى المؤسية البديلة التي تشبهه.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتحديث الأجهزة فقط، بل بإعادة الاعتبار للموهبة، بناء منظومة تقييم قائمة على الأداء لا الأقدمية، وخلق مسارات صعود تعتمد على الكفاءة لا الولاء
اتمنى أن تكون الهيكلة ليست مجرد تحديث للأجهزة واللوائح بقدر ما هو انتصار للموهبة والإبداع وقتها سيستعيد الإعلام المصري روحه، ويعود من جديد لاعبًا حقيقيًا في زمن المحتوى الذكي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض