من أوكرانيا إلى إيران
الذكاء الاصطناعى يعيد تشكيل ميزان القوى العسكرية فى الشرق الأوسط
تشهد المواجهة المحتدمة بين إيران والكيان الصهيونى تحولا كبيرا فى ظل تدخل الولايات المتحدة الأمريكية من وراء الكواليس، تنعكس على طبيعة العمليات العسكرية، مع تزايد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعى باعتباره عنصرا فارقا فى إدارة الصراع، وخلال الأسابيع الأخيرة برزت مؤشرات واضحة على أن هذا الصراع لم يعد تقليديًا، بل بات ساحة مفتوحة لأنظمة قتالية تعتمد على الخوارزميات، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الحروب.
وكشفت تقارير متعددة عن استخدام متقدم لأنظمة ذكاء اصطناعى فى عمليات الاستهداف، خصوصًا من جانب إسرائيل، التى تعتمد على برامج مثل «Lavende» لتحديد الأهداف البشرية، و«Gospel» لتحديد مواقع القصف، وتعمل هذه الأنظمة على تحليل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، بما فى ذلك الاتصالات وأنماط الحركة، لإنتاج قوائم أهداف بسرعة تفوق القدرات البشرية، وتم استخدام هذة التقنيات فى الحرب الدائرة حاليا فى إيران، سواء عبر ضربات مباشرة أو من خلال عمليات استخباراتية معقدة.
ويعكس هذا التحول توجهًا كبير نحو دمج الذكاء الاصطناعى فى الاستراتيجيات العسكرية، حيث لم يعد دوره يقتصر على الدعم التقنى، بل أصبح جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار، فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل البيانات الضخمة، وتوقع تحركات الخصم، وتقديم سيناريوهات متعددة للقادة العسكريين، ما يعزز سرعة الاستجابة ودقة العمليات ويمنح أفضلية ميدانية واضحة للطرف الأقدر على استخدام هذة التقنيات وتطويعها لصالحه.
وساهمت هذه التقنيات فى تحسين كفاءة العمليات العسكرية بشكل ملحوظ، فالأنظمة الذكية قادرة على إدارة الطائرات المسيّرة، وتنسيق الضربات الجوية، وتقليل الاعتماد على العنصر البشرى فى البيئات عالية الخطورة، وفى الصراع القائم ما بين إيران وإسرائيل يظهر هذا بوضوح من خلال الاستخدام المكثف للطائرات بدون طيار والأنظمة الذاتية، التى باتت تنفذ مهام استطلاع وهجوم بدقة عالية.
ولم تكن الحرب الدائرة هى أولى الحروب التى تم خلالها استخدام الخورزميات وتقنيات الذكاء الإصطناعى، ففى قطاع غزة برز الذكاء الاصطناعى كعنصر محورى فى العمليات العسكرية خلال المواجهات الأخيرة، إذ استخدمت إسرائيل أنظمة تحليل بيانات متقدمة لتحديد الأهداف بشكل سريع ومكثف، وهو ما ساهم فى تسريع وتيرة الضربات الجوية بشكل غير مسبوق، كما لعبت تقنيات الذكاء الاصطناعى دورًا فى تشغيل الطائرات المسيّرة، ورصد التحركات على الأرض، وتحليل الصور الجوية، ما جعل العمليات أكثر دقة من الناحية التقنية، لكنها فى الوقت ذاته أثارت جدلًا واسعًا بشأن تداعياتها الإنسانية، خاصة مع الحديث عن أخطاء فى الاستهداف نتيجة الاعتماد الكبير على الأنظمة الآلية.
وعلى جبهة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ظهر الذكاء الاصطناعى كعامل حاسم فى تطوير أساليب القتال الحديثة، إذ استخدمت أوكرانيا تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعى فى تحليل صور الأقمار الصناعية، وتحديد مواقع القوات الروسية، وتوجيه الطائرات المسيّرة بدقة عالية، فى المقابل طورت روسيا قدراتها فى مجال الحرب الإلكترونية واستخدام الأنظمة الذكية للتشويش على الاتصالات وتعطيل الأنظمة المعادية كما أسهم الذكاء الاصطناعى فى تحسين فعالية الطائرات بدون طيار الانتحارية، التى أصبحت سلاحًا رئيسيًا فى هذا الصراع.
ولكن على الرغم من إن استخدام الذكاء الإصطناعى فى الحروب غير موازين القوى فى العديد من أماكن الصراع إلا إنه لا يخلو من تداعيات معقدة على الأمن العالمى، فاعتماد القوى الكبرى على الذكاء الاصطناعى فى العمليات العسكرية يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد، قد يؤدى إلى اختلال فى ميزان القوى، كما أن تسريع وتيرة اتخاذ القرارعبر الأنظمة الآلية قد يزيد من مخاطر التصعيد غير المقصود، خاصة فى بيئة مشحونة مثل الصراع بين إيران وإسرائيل.
ومن جهة أخرى يلعب الذكاء الاصطناعى دورًا متزايدًا فى الحرب الإعلامية، التى تشكل جبهة موازية للصراع العسكرى، إذ تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعى فى إنتاج محتوى مضلل، وتزييف الفيديوهات، والتلاعب بالرأى العام، سواء على المستوى الإقليمى أو الدولى، وقد أصبحت هذه الأدوات جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى التأثير على الرأى العام، وإرباك الخصوم.
وأثارت بعض التقارير جدلًا واسعًا حول دقة أنظمة الاستهداف، وإمكانية وقوع أخطاء تؤدى إلى خسائر بشرية غير مقصودة، فبينما توفر هذه الأنظمة سرعة وكفاءة، فإنها تعتمد على بيانات قد تكون غير مكتملة أو منحازة، ما يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية حول مسئولية القرارات التى تتخذها الخوارزميات.
كما أن سياسات القوى الكبرى تعكس نهما متزايدًا لأهمية الذكاء الاصطناعى فى الحروب المستقبلية، فالولايات المتحدة والصين وروسيا تستثمر بشكل كبير فى تطوير هذه التقنيات، وتسعى إلى تحقيق تفوق استراتيجى من خلالها، وفى هذا الإطار يُنظر إلى الصراع الحالى فى الشرق الأوسط باعتباره نموذجًا مصغرًا لكيفية توظيف هذه الأدوات فى النزاعات المعاصرة، ويعكس أيضاً إدراكًا متزايدًا بأن هذه التكنولوجيا ستحدد شكل الحروب المستقبلية، وستكون عاملًا حاسمًا فى موازين القوى.
لذا لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة مساعدة، بل أصبح مضاعفا للقوة العسكرية وعنصرًا حاسمًا فى ميزان القوى، فهو يتيح تحليلًا أسرع وأدق، ويمنح ميزة تكتيكية فى ساحة المعركة، لكنه فى الوقت نفسه يطرح تحديات غير مسبوقة تتعلق بالاستقرار الدولى، وربما مساهمته فى توسيع مناطق الصراع.
ومع استمرار التصعيد بين إيران وإسرائيل، وغيرها من الجبهات المفتوحة يبقى السؤال حول مدى قدرة المجتمع الدولى على وضع ضوابط لاستخدام هذه التكنولوجيا، فى وقت تتسارع فيه وتيرة تطورها، وتتوسع إستخدامتها فى ميادين القتال، ففى ظل هذا الواقع المرعب، تبدو الحروب المقبلة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الخوارزميات مع القرارات العسكرية، وتصبح التكنولوجيا لاعبًا رئيسيًا فى تحديد مسارات الصراع ونتائجه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض