رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

مع كل صيف يقترب، ترتفع درجات الحرارة وترتفع معها حساسية أسواق الطاقة، لكن صيف هذا العام يبدو مختلفًا؛ فالتوترات العسكرية في الشرق الأوسط، الممتد تأثيرها إلى الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، تضع العالم أمام سؤال ثقيل: هل نحن على أعتاب أزمة طاقة جديدة، أم أن ما يحدث مجرد موجة توتر عابرة سرعان ما تمتصها الأسواق؟
الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت سلاحًا سياسيًا وأداة ضغط جيوسياسي. ومع اتساع نطاق الحرب وتزايد المخاوف من انخراط أطراف إقليمية إضافية، تتجه الأنظار إلى الخليج العربي باعتباره شريانًا حيويًا يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. أي اضطراب في الإمدادات أو تهديد للملاحة في الممرات الاستراتيجية ينعكس فورًا على الأسعار، ويصيب الأسواق بحالة من الهلع الاستباقي حتى قبل وقوع أي نقص فعلي في المعروض.
الصيف تحديدًا يمثل ذروة الطلب على الطاقة، ليس فقط في أوروبا التي تعتمد على المخزونات التي كوّنتها خلال الشتاء، بل أيضًا في آسيا حيث يرتفع استهلاك الكهرباء بشكل حاد بسبب موجات الحر، ومع توسع استخدام أجهزة التكييف في الاقتصادات الصاعدة. كذلك تزداد احتياجات محطات الكهرباء في دول الخليج نفسها لتلبية الطلب المحلي، ما يقلص الكميات المتاحة للتصدير في بعض الأحيان. ومع تزامن ذلك مع أي اضطراب سياسي أو أمني، تتحول المعادلة إلى مزيج حساس من العرض المحدود والطلب المتصاعد
الأسواق بطبيعتها تتفاعل مع التوقعات بقدر ما تتفاعل مع الوقائع. يكفي أن ترتفع مخاطر التأمين على السفن أو أن تتأخر شحنات الغاز المسال أيامًا قليلة حتى تقفز الأسعار في البورصات العالمية. وهذا ما شهدناه مرارًا في أزمات سابقة، حيث كان “الخوف” هو المحرك الأول للأسعار، قبل أن يتبين حجم الضرر الحقيقي. ومع تصاعد الحديث عن احتمالات توسع الحرب، تتزايد رهانات المضاربين، فيتحول القلق إلى موجة ارتفاعات قد تثقل كاهل الاقتصادات المستوردة، خاصة في أفريقيا وجنوب آسيا.
أوروبا، التي ما زالت تتعافى من تداعيات أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو أكثر حذرًا هذه المرة. فقد تعلمت درس الاعتماد المفرط على مصدر واحد، وسارعت خلال العامين الماضيين إلى تنويع مورديها وتعزيز واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر، والاستثمار في الطاقة المتجددة. لكن رغم ذلك، تظل القارة عرضة لارتفاع الأسعار عالميًا، لأن سوق الطاقة مترابط، وأي صدمة في الخليج تنعكس على الجميع بلا استثناء.
في المقابل، تمتلك بعض الدول المنتجة هوامش للمناورة، سواء عبر طاقات إنتاجية فائضة يمكن ضخها لتعويض أي نقص، أو عبر احتياطيات استراتيجية قادرة على تهدئة الأسواق مؤقتًا. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بقدرة الإنتاج فقط، بل باستقرار طرق النقل وسلامة الممرات البحرية. فحتى لو توفرت الكميات، فإن تعطل سلاسل الإمداد كفيل بإشعال الأسعار وإرباك خطط الاستيراد.
الاقتصادات الناشئة ستكون الأكثر تأثرًا إذا تصاعدت الأزمة. ارتفاع أسعار النفط يعني تضخمًا أعلى، وضغوطًا على العملات المحلية، وتآكلًا في القدرة الشرائية للمواطنين. ومع دخول فصل الصيف، حيث يزداد استهلاك الكهرباء والمياه والوقود، قد تجد حكومات كثيرة نفسها مضطرة إلى زيادة الدعم أو تحمل كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن العالم يتجه حتمًا إلى أزمة طاقة شاملة. فالعوامل المضادة حاضرة أيضًا: تباطؤ النمو الاقتصادي في بعض المناطق يقلل من حدة الطلب، والتقدم في مشاريع الطاقة المتجددة يوفر بدائل تدريجية، كما أن التنسيق بين كبار المنتجين قد يلعب دورًا في تهدئة السوق إذا اقتضت الضرورة.
المعادلة إذن معلقة بين نارين: نار الجغرافيا السياسية التي قد تشعل شرارة مفاجئة، ونار الصيف الذي يرفع الطلب إلى أقصاه. وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن أسواق الطاقة تعيش دائمًا على حافة التوتر، لكنها نادرًا ما تنهار دون إنذار طويل. السؤال ليس فقط هل ندخل أزمة، بل إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمل صيفًا ساخنًا سياسيًا ومناخيًا في آن واحد، دون أن يدفع فاتورة طاقة جديدة تثقل اقتصاده وتعيد رسم خرائط النفوذ من جديد.