من يظن أن الحرب الدائرة بين إيران ودول المنطقة مجرد صراع عسكري بعيد عننا، فهو في الحقيقة لا يرى الصورة كاملة. فالعالم اليوم لم يعد جزرًا منفصلة، وأي توتر سياسي أو عسكري في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على اقتصادياتنا، وعلى حياتنا اليومية، من الغذاء إلى النقل والمواصلات والخدمات الأساسية.
أزمة الحرب الإيرانية الأخيرة أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المحروقات في كثير من الدول، ليس فقط النفط الخام، بل حتى مشتقاته التي تستخدم في النقل والصناعة والزراعة. وهذا الارتفاع لا يقتصر أثره على مستوى السعر في السوق، بل يتعداه ليشمل كل جوانب حياة المواطن اليومية، حيث ترتفع أسعار النقل، والغذاء، والكهرباء، وحتى تكاليف الخدمات العامة.
دول مثل لبنان ومصر والأردن وسوريا وتونس والمغرب تشعر بثقل هذه الأزمة بشكل كبير، إذ إن اقتصاداتها ضعيفة أصلاً وتعتمد على الواردات، خاصة الطاقة والمواد الغذائية. في لبنان، أزمة الوقود انعكست على شبكات الكهرباء والنقل، وأدت إلى شلل جزئي في القطاعات الحيوية. وفي مصر والأردن، ارتفاع تكاليف المحروقات تسبب بزيادة أسعار النقل العام والسلع الأساسية، مما يضغط على ميزانيات الأسر ويجعلها أكثر هشاشة. أما في سوريا وتونس والمغرب، فالتداعيات الاقتصادية امتدت إلى زيادة التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة بشكل عام، بما يعمق الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على المواطن العادي.
الحكومات في هذه الدول تحاول التخفيف من وطأة الأزمة عبر دعم مباشر للمحروقات أو تقديم مساعدات مالية، لكن الحلول غالبًا مؤقتة، ولا تعالج السبب الأساسي: الاعتماد على واردات الطاقة وتقلبات الأسعار العالمية الناتجة عن الصراعات الإقليمية. هنا يظهر الدور الحيوي للسياسات الاقتصادية الذكية التي تركز على تنويع مصادر الطاقة، وتحسين الإنتاج المحلي، ودعم القطاعات الإنتاجية لتخفيف الاعتماد على الأسواق العالمية.
من منظور رأي اقتصادي، يجب أن يكون التركيز ليس فقط على إدارة الأزمة الحالية، بل على بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات، اقتصاد يوازن بين احتياجات المواطن اليومية وبين النمو المستدام طويل المدى. فالوعي المجتمعي وإدارة الأسرة لميزانيتها أصبحا ضرورة، ليس رفاهية، للتكيف مع هذه الأزمات المتكررة.
في النهاية، الاقتصاد ليس مجرد أرقام ونسب، بل هو حياة الناس اليومية، قوتهم، وأحلامهم. وكل توتر إقليمي، وكل ارتفاع في أسعار المحروقات، يترك أثره المباشر على كل بيت، وكل فرد، في الشرق الأوسط أولًا.،،!!
محمد سعد عبد اللطيف ،كاتب ،وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض