بين مطالب الشركات وحماية المستهلك
هل يشعل الوقود أسعار الاتصالات؟
تتصاعد المطالبات من شركات المحمول الأربع العاملة فى السوق المصرية بإعادة هيكلة أسعار خدمات الاتصالات، فى ظل ضغوط تشغيلية متراكمة وتكاليف متصاعدة، غير أن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات (NTRA) لم يُصدر حتى الآن أى موافقة رسمية على هذه الطلبات، مؤكداً أنه يدرسها بدقة مع الحفاظ على حقوق المستهلك.
جهاز تنظيم الاتصالات: لا قرار رسميًا برفع الأسعار
فى مواجهة موجة التكهنات المتداولة حول اقتراب رفع أسعار خدمات الاتصالات، أكد المهندس محمد شمروخ، الرئيس التنفيذى للجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، فى تصريحات سابقة أنه لا يوجد أى قرار رسمى برفع أسعار خدمات المحمول فى مصر على خلفية زيادة أسعار المواد البترولية الأخيرة.
وأوضح شمروخ أن شركات المحمول تتقدم باستمرار بطلبات للجهاز من أجل دراسة إمكانية تعديل الأسعار، لكنه شدد على أن تقديم هذه الطلبات لا يعنى بالضرورة الموافقة أو تنفيذ أى زيادة، مشيراً إلى أن الجهاز يدرس كل طلب بدقة مع مراعاة حق المستهلك وضمان عدم التأثير على جودة الخدمات أو التكاليف النهائية للمستخدمين، مؤكداً التزام الجهاز بالإجراءات القانونية والضوابط المنظمة للقطاع قبل اتخاذ أى قرار.
لماذا تطالب شركات المحمول بالزيادة؟
لم تأت مطالبات الشركات من فراغ، ففى أكتوبر الماضى تقدمت كل من فودافون مصر، وأورنج مصر، وإى آند مصر، والمصرية للاتصالات، بمطالبات رسمية متعددة لإعادة هيكلة منظومة الأسعار الحالية، مستندةً إلى جملة من العوامل الضاغطة المتراكمة.
يأتى فى مقدمة هذه العوامل الارتفاع الحاد فى تكاليف تحديث البنية التحتية للشبكات وزيادة أسعار الوقود والكهرباء، إذ ارتفع سعر السولار الذى تعتمد عليه الشركات فى تشغيل شبكاتها البالغ عددها أكثر من 34 ألف برج، من 3.65 جنيه للتر عام 2017 إلى 20.50 جنيه، أى بزيادة تقترب من سبعة أضعاف، يُضاف إلى ذلك النمو المتسارع فى الاعتماد على التطبيقات الرقمية ومنصات الفيديو وخدمات البث، مما يفرض ضخ استثمارات ضخمة لمواكبة الطلب المتنامى على البيانات.
وعلى مدار الأشهر الأخيرة أجرى الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات سلسلة مكثفة من الدراسات والتحليلات، رصد خلالها هذه المتغيرات وتأثيرها على الأوضاع التشغيلية للشركات، دون أن يُفضى ذلك حتى الآن إلى أى قرار رسمى بالزيادة.
سجل الزيادات.. موجات متتالية منذ 2020
لاستيعاب حجم الضغط الذى تمارسه الشركات، يكفى استحضار مسار أسعار الاتصالات خلال السنوات الأخيرة، فمنذ عام 2020 شهد السوق زيادات بوتيرة شبه سنوية، بلغ متوسطها الإجمالى نحو 15% خلال السنوات الأربع الماضية، بدأت بأقل زيادة مسجلة عام 2020 بنسبة 5%، ثم ارتفعت إلى 10% عام 2022، قبل أن تقفز إلى 15% لكل من عامى 2023 و2024.
وفى عام 2024 وحده رفعت شركات الاتصالات أسعار خدماتها مرتين بزيادة تراكمية تجاوزت 75%، مبررةً ذلك بارتفاع التكاليف التشغيلية جراء تعويم الجنيه وتراجع قيمته، وكان آخر تعديل رسمى فى نهاية العام الماضى، حين وافق الجهاز على زيادات تراوحت بين 17% و30% على بعض الخدمات.
الوقود ورقة الضغط الأقوى
يظل ملف أسعار الوقود المحرك الأكثر تأثيراً فى هذا الجدل، إذ ثبت تاريخياً ارتباط مباشر بين كل موجة ارتفاع فى أسعار المحروقات وجولة جديدة من مطالبات تعديل تعريفات الاتصالات، ومع استمرار مساعى الحكومة فى إصلاح منظومة دعم الطاقة، فإن الزيادة الأخيرة فى أسعار الوقود ستشكل على الأرجح ذريعة إضافية قوية فى يد الشركات لتجديد مطالبها وتصعيد وتيرة الضغط على الجهاز التنظيمى للموافقة على زيادات أعلى.
المستهلك.. مطالب مشروعة فى مواجهة الزيادات
فى المقابل يجد المستهلك نفسه طرفاً غائباً عن طاولة المفاوضات رغم أنه صاحب المصلحة الأولى، فمطالب العملاء لا تقتصر على رفض الزيادات فحسب، بل تمتد إلى منظومة متكاملة من التحسينات التى يرونها حقاً مشروعاً مقابل ما يدفعونه شهرياً.
فى مقدمة هذه المطالب يأتى ملف جودة الخدمة، إذ يشكو كثير من المستخدمين من انقطاع متكرر فى الإنترنت وضعف فى سرعة الاتصال خصوصًا فى المناطق الريفية والأحياء الشعبية، فى وقت ترفع فيه الشركات أسعارها بحجة تطوير الشبكات، كما تتصدر قائمة مطالب العملاء المطالبة بتوفير باقات إنترنت غير محدود بأسعار معقولة، على غرار ما هو متاح فى أسواق عالمية مماثلة، بدلاً من نظام الباقات المحدودة التى تنتهى سريعاً مع الاستخدام المتصاعد للتطبيقات والمنصات الرقمية.
التوازن الصعب بين الشركات والمستهلك
يأتى هذا الجدل فى مرحلة بالغة الحساسية، فالإنترنت سواء المنزلى أو عبر الهاتف المحمول لم يعد ترفاً بل ضرورة يومية، ما يجعل أى تعديل فى الأسعار قضية تمس مباشرة ملايين المصريين فى ظل ضغوط معيشية متراكمة.
وشدد شمروخ على أن قطاع الاتصالات فى مصر يشهد نمواً وتطوراً مستمراً، وأن الجهاز يسعى دائماً لضمان استقرار السوق وحماية حقوق المشتركين ودعم الشركات فى تقديم خدمات عالية الجودة بأسعار مناسبة، مع الحفاظ على التوازن بين مصالح المستهلكين والمشغلين.
فى الوقت الذى تقدم فيه الشركات حججاً اقتصادية مقنعة، يظل المستخدم العادى الحلقة الأضعف فى هذه المعادلة، والسؤال الذى يشغل بال الملايين ليس فقط: هل سترفع الأسعار، بل متى وبأى نسبة، وهل ستقابلها فى المقابل خدمة أفضل وشبكة أكثر استقراراً، وهو ما سيحدده الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات وحده بعيداً عن أى ضغوط أو توقعات؟

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض