اليوم العالمي للمرأة.. قصة مريم الإسطرلابي عالمة الفلك المسلمة
اليوم العالمي للمرأة يمثل مناسبة مهمة للاحتفاء بدور المرأة في بناء الحضارات وصناعة الإنجازات الإنسانية عبر العصور، ويُعد فرصة لاستحضار النماذج النسائية الملهمة التي ساهمت في تقدم العلوم والمعرفة.
ومن بين تلك النماذج البارزة في تاريخ الحضارة الإسلامية تبرز العالمة المسلمة مريم الإسطرلابي، التي سجلت اسمها في صفحات التاريخ العلمي بفضل ابتكارها للإسطرلاب المعقّد، وهو أحد أهم الأدوات الفلكية في العصور الوسطى.
وفي هذا السياق، سلط مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية الضوء على هذه الشخصية العلمية الفريدة، مؤكدًا أن الاحتفاء بمثل هذه النماذج في اليوم العالمي للمرأة يعكس تقدير الإسلام لدور المرأة في العلم والمعرفة والإبداع.
نشأة علمية في قلب حلب

ولدت العالمة مريم الإسطرلابي في مدينة حلب خلال القرن العاشر الميلادي في أواخر العصر العباسي، في بيئة علمية ساعدت على صقل موهبتها العلمية منذ الصغر. وقد تلقت تعليمها على يد والدها العالم الشهير كوشيار الجيلي، الذي كان من أبرز علماء الفلك في زمانه.
وفي ظل هذا المناخ العلمي، برعت مريم في علوم الفلك والرياضيات والهندسة، لتصبح واحدة من العالمات القلائل اللاتي تركن بصمة واضحة في تاريخ العلوم.
ويؤكد المؤرخون أن قصتها تمثل نموذجًا ملهمًا يُستحضر بقوة في اليوم العالمي للمرأة، باعتبارها مثالًا مبكرًا على إسهام المرأة المسلمة في تطور المعرفة العلمية.
عملها في بلاط سيف الدولة الحمداني
لم يقتصر تميز مريم الإسطرلابي على الدراسة النظرية، بل امتد إلى العمل العملي في المؤسسات العلمية آنذاك، حيث عملت في بلاط الأمير سيف الدولة الحمداني مؤسس إمارة حلب.
وفي هذا البلاط الذي كان مركزًا للعلماء والأدباء في ذلك العصر، شاركت في تطوير الأدوات الفلكية، وأسهمت في إجراء الحسابات الفلكية التي كانت ضرورية لدراسة حركة النجوم والكواكب.
ويبرز هذا الدور التاريخي في اليوم العالمي للمرأة كدليل على أن المرأة كانت شريكًا أساسيًا في النهضة العلمية التي شهدتها الحضارة الإسلامية.
ابتكار الإسطرلاب المعقد

يُعد أعظم إنجاز علمي للعالمة مريم الإسطرلابي هو تطوير الإسطرلاب المعقّد، وهو أداة فلكية متقدمة تُستخدم لتحديد مواقع الأجرام السماوية ورصد حركة النجوم.
وقد مكّن هذا الابتكار العلماء من معرفة شكل السماء في مكان وزمان محددين، كما ساعد في إجراء حسابات دقيقة تتعلق بالملاحة والفلك.
وتكمن أهمية هذا الابتكار في أنه ساعد في تحديد:
- مواقيت الصلاة
- اتجاه القبلة
- الملاحة البحرية
- قياس ارتفاع النجوم
ويشير المؤرخون إلى أن هذه الآلية العلمية كانت نواة مبكرة للتقنيات الحديثة التي تقوم عليها أنظمة تحديد المواقع، وهو ما يجعل الحديث عنها حاضرًا بقوة في اليوم العالمي للمرأة باعتبارها إنجازًا علميًا متقدمًا سبق عصره بقرون.
إرث علمي ألهم الأجيال
تركَت مريم الإسطرلابي إرثًا علميًا مهمًا في تاريخ الفلك والهندسة، إذ كان لاختراعها دور كبير في تطوير أدوات الرصد الفلكي التي اعتمد عليها العلماء في العصور اللاحقة.
ويؤكد الباحثون أن الإسهامات العلمية التي قدمتها هذه العالمة تمثل نموذجًا مهمًا لإبداع المرأة في الحضارة الإسلامية، حيث لم تقتصر أدوار النساء على المجالات الاجتماعية فقط، بل امتدت إلى ميادين العلم والبحث والابتكار.
ولهذا السبب يستحضر العلماء والمؤرخون سيرتها في اليوم العالمي للمرأة بوصفها شاهدًا تاريخيًا على قدرة المرأة على الإبداع والمساهمة في تقدم البشرية.
المرأة في الحضارة الإسلامية.. تاريخ من العطاء
ولا تقتصر قصة مريم الإسطرلابي على كونها إنجازًا فرديًا، بل تعكس جانبًا مهمًا من تاريخ المرأة في الحضارة الإسلامية، حيث أسهمت النساء في مجالات متعددة مثل العلم والطب والفقه والتعليم.
ويؤكد المتخصصون أن استحضار هذه النماذج في اليوم العالمي للمرأة يساهم في تصحيح الصورة النمطية حول دور المرأة في التاريخ الإسلامي، ويبرز أن الحضارة الإسلامية شهدت حضورًا علميًا نسائيًا فاعلًا في مختلف الميادين.
وفي النهاية تبقى قصة مريم الإسطرلابي شاهدًا حيًا على أن الإبداع لا يرتبط بجنس أو زمان، بل بالإرادة والعلم والعمل، وهو ما يجعل سيرتها مصدر إلهام للأجيال الجديدة من النساء والباحثات في مختلف مجالات المعرفة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



