عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شريحة دقيقة ونظارة ذكية تعيدان البصر.. العلم يقترب من الحلم

الرؤية
الرؤية

في عالم يفقد فيه الملايين قدرتهم على الرؤية المركزية كل عام، كانت الإجابة الطبية المتاحة لا تتجاوز إبطاء الانهيار أو التعايش معه، لكن فريقًا من العلماء قرر رفض هذه المعادلة، وبعد سنوات من البحث والمثابرة ومواجهة الإفلاس الحرفي لمشروعهم، باتوا على بُعد خطوة واحدة من إعادة رسم خريطة علاج أحد أكثر أمراض العيون انتشارًا وقسوةً في العالم.

الرؤية المركزية ليست تفصيلًا ثانويًا في منظومة الإبصار، بل هي جوهرها، القراءة، والتعرف على الوجوه، ورؤية التفاصيل الدقيقة، كلها مهام تتولاها البقعة الصفراء، تلك المنطقة الصغيرة في شبكية العين التي تُعد مركز التحكم البصري، وحين تتدهور هذه المنطقة بفعل التنكس البقعي المرتبط بالعمر، يجد المريض نفسه في عالم غريب: يرى المحيط بوضوح، لكن كلما حاول التركيز على شيء مباشرة، ابتلعته بقعة ظلامية لا ترحم.

هذا المرض ليس نادرًا، تشير التقديرات إلى أن التنكس البقعي الضموري يصيب ما لا يقل عن خمسة ملايين شخص حول العالم، وهو السبب الرئيسي لفقدان البصر في كبار السن، ورغم ضخامة هذا الرقم، ظل الطب لسنوات طويلة عاجزًا عن تقديم حل حقيقي يُعيد الرؤية المفقودة لا مجرد يُؤخر اختفاءها.

نظام PRIMA.. شريحة ونظارة يصنعان معًا معجزة

الحل جاء من تقاطع غير متوقع بين علم الأعصاب والبصريات والذكاء الاصطناعي، على يد طبيب العيون دانيال بالانكر من جامعة ستانفورد، الذي التقى عام 2012 في مؤتمر علمي بخبير العيون الفرنسي خوسيه-ألان ساهيل من مدرسة بيتسبورج للطب، كان كل منهما يعمل بمعزل على تقنيات مختلفة لمعالجة المشكلة ذاتها، فقررا دمج جهودهما في مشروع واحد.

ثمرة هذا التعاون هي نظام PRIMA، المؤلف من عنصرين متكاملين لا يعمل أحدهما دون الآخر.

العنصر الأول هو شريحة إلكترونية دقيقة لا تتجاوز مساحتها مليمترين مربعين، تُزرع جراحيًا في شبكية العين مباشرةً، وظيفتها الاستعاضة عن المستقبلات الضوئية المتلفة عبر تحويل الضوء إلى نبضات كهربائية تُرسل عبر العصب البصري إلى الدماغ، تمامًا كما تفعل العين السليمة بطبيعتها.

العنصر الثاني هو نظارة متخصصة مزودة بكاميرا تلتقط المشهد البصري وترسله إلى معالج خارجي يُحسّن جودة الصورة، ثم يُعيدها إلى الشريحة في العين على هيئة إشارات معززة، لتستكمل بقية خلايا الشبكية الحية مهمة نقل الصورة إلى الدماغ.

يوضح فرانك هولتس، رئيس قسم طب العيون في جامعة بون والقائد الميداني للتجربة، الفكرة بجلاء: "الشريحة تستبدل المستقبلات الضوئية فحسب، وتُترجم الضوء إلى محفزات كهربائية كما تفعل الطبيعة بالعين والشبكية، لكن إذا ماتت كل خلايا الشبكية، لن تعمل الشريحة على الإطلاق."

أرقام تتكلم: ماذا حققت التجربة؟

النتائج التي نشرها الفريق البحثي لم تكن مجرد تحسينات هامشية، بل كانت قفزة قابلة للقياس في حياة مرضى حقيقيين، أُجريت التجربة عبر 13 موقعًا في خمس دول: الولايات المتحدة، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وإيطاليا، وشملت أكثر من 30 مريضًا تجاوز معظمهم الخمسين من العمر.

النتائج كانت لافتة:

أكثر من 80% من المرضى أظهروا تحسنًا ملحوظًا في الرؤية المركزية بعد عام من المتابعة.

تمكّن المرضى من قراءة الأرقام والكلمات في منازلهم.

تحسنت قدرتهم على القراءة بمعدل 25 حرفًا أي ما يعادل خمسة أسطر على لوحة اختبار البصر القياسية.

وصلت حدة البصر لدى غالبيتهم إلى نحو نصف حدة البصر الطبيعية 20/20.

يصف هولتس هذا الإنجاز بعبارة تحمل ثقلًا علميًا واضحًا: "إنها المرة الأولى في التاريخ التي يُثبَت فيها إمكانية استعادة الرؤية في منطقة شبكية عمياء تمثل أهمية بالغة للحياة اليومية".

ما لا تحكيه الأرقام هو الثمن الإنساني الذي دُفع وراء هذه النتائج، في عام 2024، وبينما كانت التجربة على وشك الاكتمال، أعلنت الشركة المطورة لنظام PRIMA إفلاسها، وبات مصير المشروع برمته في مهب الريح.

يتذكر ساهيل تلك اللحظة بوضوح مؤلم: "أذكر جيدًا تلك الأيام التي كادت فيها كل شيء أن يموت، وكنا على وشك امتلاك منتج يعمل دون أي طريقة لإيصاله إلى الناس".

النجاة جاءت حين استحوذت شركة Science Corporation الأمريكية على المشروع، وأعادت إحياء الإنتاج، وتسعى الشركة حاليًا للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA وشهادة CE الأوروبية لاعتماد النظام علاجًا طبيًا رسميًا في كلا السوقين.

التقرير الأمين لا يتوقف عند الانتصارات دون الإقرار بالعقبات، يؤكد ساهيل وهولتس أن العملية الجراحية لزرع الشريحة ليست سهلة، وتتطلب مهارة جراحية عالية، وقد كان إثبات إمكانية تنفيذها عبر 13 موقعًا مختلفًا بجراحين متعددين شرطًا جوهريًا لإقناع الجهات التنظيمية.

كذلك تفرض متطلبات ما بعد الجراحة عائقًا لوجستيًا حقيقيًا؛ إذ يحتاج المريض إلى برنامج تأهيل يمتد نحو 12 شهرًا، يتضمن زيارات منتظمة للعيادة وتدريبًا على استخدام الكاميرا والمعالج الخارجي، فضلًا عن دعم مستمر في المنزل، هذه المتطلبات قد تُقيّد الشريحة تقييدًا فعليًا في بيئات تفتقر إلى البنية التحتية الصحية الملائمة.

ما حققه نظام PRIMA ليس علاجًا شاملًا لكل أشكال فقدان البصر، لكنه إثبات مبهر بأن إعادة الرؤية إلى منطقة ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق الطب ممكنة، وأن التقنية التي توحد فيها جراح من ستانفورد وخبير فرنسي قبل أكثر من عقد تستحق اليوم كل ما بُذل في سبيلها.

حين يستطيع مريض فقد القراءة منذ سنوات أن يُميز الحروف على لوحة اختبار البصر، لا يستعيد حرفًا بل يستعيد شيئًا من نفسه، وهذا، في نهاية المطاف، هو ما يصنعه العلم الحقيقي.